الآستانة لكونها أسيرات ، فمن سمع من الإفرنج بأن نوعا من جنس بنى آدم يباع ويشرى ، استعظم ذلك وعده مغايرا للإنسانية ، والحال أنه أسر للمشتري ( بكسر الراء ) لا للمشتري ( بفتح الراء ) ، فإن الأول هو الذي يشقى ويعنى بوجود الجواري ، في حالة كونهن منعمات مترفهات ، لا يخرجن من الديار إلا للتنزه ، ولا يأتين من الأعمال إلا ما طاب لهن ، وشر ما في القضية أنه لا بد منهن ، إذ لم تجر العادة عند متوسطي الحال من أصحاب العيال ، أن يستخدموا نساء من النصارى ، وإنما يجوز ذلك لرجال الدولة ، وزد على ذلك أن مفتشي الضبطية صاروا الآن يفتشون السفن التي تجلب فيها الجواري ، فإذا ظفروا بطائفة منهن أحضروهن إلى ديوان الضبطية ، وهناك يحجز عليهن ويمنعن من البيع ، فالظاهر أن الدولة عازمة على منع جلب الرقيق رأسا ، وهو من بعض المآثر التي تبديها في هذه الأيام . ولكن إذا كان هذا الأمر واجبا عندها وجب أيضا أن يمنع البيع من بيوت النخاسين ، مع أنا نرى النخاسين لا يتحاشون من البيع أصلا ، فالأولى إذا أن تمنع البيع والجلب معا أو تتركهما معا ، وفي الحالة الأولى يقع الناس في داهية من الحاجة إلى الجواري ، كما وقعوا في داهية من الحاجة إلى وجود الديار ، إذ ليس في الآستانة من الخوادم من يسد مسد الجواري ، فنحتاج والحالة هذه إلى استخدام نساء النصارى أو اليهود ، إذ ليس من المحتمل أن يأيتنا نساء من الأناضول أو غيرها للخدمة . وسبب ذلك فيما قيل لي أن صاحب العلية إذا استخدم نساء من البيض ، فربما تاقت نفسه إلى إحداهن فيتزوجها ، فتكون ضرة على زوجته الأولى ، فلهذا كان من هم النساء المتزوجات هنا أن يقتصرن على الجواري السود ، فكأنهن يزعمن أن الرجال البيض لا يشتهون النساء السود ، ولعل عدم استخدام نساء النصارى هو أيضا من هذا القبيل ، أعني لكيلا يكون سببا في عشق الرجال لهن فالظاهر أن الرجال هنا لا هم لهم إلا النزو على النساء ، أو أن النساء لما كن لا يفكرن إلا في الرجال لعدم استغالهن بشيء من أمور المعاش ، يحسبن الرجال مثلهن ، ومهما يكن من صحة أحد هذين الاحتمالين ، فالمهم الآن أن يتبصر في قضية هؤلاء الجواري ، وفي الاستغناء عنهن من قبل أن يقال لنا أن بيعهن صار محظورا ، وقد طالما تمنينا أن تكون الآستانة سالمة من هذه المصيبة ، كما سلمت تونس بل مصر أيضا قد