واليونان كانوا يلبسون رداء طويلا واسعا ويمرون به من تحت إبطهم الأيمن بعد أن يلفوا به وسطهم ثم يرسلونه على ظهرهم بعد أن يغطوا به كتفهم الآخر ثم صاروا يشملون به الجسم جميعه، ذلك بأنهم كانوا يأتون بهذا الرداء الطويل ويربطون طرفيه ثم يدخلون ذراعهم الأيمن مع الرأس من فتحة ما بينهما بحيث تكون العقدة على الكتف الأيسر ثم يلف به الجسم بباقي هذه الشملة ويسمونها شيون chion كما تراه إلى اليوم في عرب البادية المصرية خصوصا عرب المغرب، ولا شك في أنهم أخذوا هذا الزي من الرومانيين أو القرطاجيين ولبث فيهم على بداوته إلى الآن، وهذا الشكل منه صور كثيرة على الآثار الرومانية، وتوجد في كثير من المتاحف بعض تماثيل بلباسهم القديم. وكان أبسط تلك الملابس شكلا ونوعا ملابس الأشوريين الذين هم إخوان الكلدانيين الذين خرج منهم سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأن كليهما من الجنس السامي، وعليه فلباس الإحرام هو بذاته ذلك اللباس البسيط الذي كان يلبسه إبراهيم عليه السلام حين أمر الله تعالى بالحج قائلا:"وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا و على كل ضامر يأتين من كل فج عميق"وما زالت هذه السنة قائمة في حج بيت الله إلى الآن وأما كونه أبيض فلأن لون البياض شعار الطهارة والنظافة وإلا فالغرض من الإحرام لبس غير المخيط مطلقا إشارة إلى أن الإنسان خرج إلى ربه من زخارف الدنيا وما فيها إلى بساطة الوجود وبداوته، هذا الزي يستوي فيه الصلعوك والملوك يشترك فيه كل الطوائف والأجناس، وبهذا الزي تقريبا يخرج الإنسان من الدنيا ويستقر في جوف القبر، ففي هذا الزي عبرة وحكمة لا تخفيان على ذوي الألباب. انتهى باختصار من"الرحلة الحجازية". الحكمة في لباس الإحرام بالحج أو بالعمرة: قلنا الحج هو: قصد بين الله الحرام لأداء مناسب الحج أو العمرة، ومن أركان الحج والعمرة الإحرام مع نية الدخول فيهما أو في أحدهما، حتى يعرف الحاج أو المعتمر بلباس إحرام وهيئته وشكله من بين سائر الناس. فإذا نظر الإنسان إلى هذا الحجيج الأعظم في جبل عرفات يوم الوقوف، يشبه جموعهم بيوم المحشر يوم يبعث الناس من قبورهم وقد اختلط الأمير بالفقير