والكبير بالصغير والعالم بالجاهل، فالحكمة من لباس الإحرام في النسك إذا هو تشبيه هذا الحجيج، المجوعين في يوم الوقوف بعرفات، ببعث الأموات من قبورهم ليوم المحشر للحساب والجزاء فلباس الإحرام يكون للحجاج بمثابة الأكفان للأموات، فكما أن الأموات إذا كفنوا ووضعوا بجوار بعضهم في ساحة واحدة، لا يتميز بعضهم عن بعض ولا يعرف الأمير من الفقير، ولا الجاهل من العالم، ولا الصالح من الفاسق، كذلك يكون حكمة الإحرام في الحج حتى لا يتميز الرئيس من المرؤوس ولا التابع من المتبوع، ولا الأمير من الصغير، ولا السيد من العبد. فإن الإنسان إذا نظر إلى يوم عرفة إلى هذا الحجيج الأعظم، فإنه يرى جميع الناس مجردين من ثيابهم العادية، وكلهم بشكل واحد وهيئة يرتدون الإزار والرداء، مكشوفي الرؤوس لا يلبسون في أرجلهم سوى نعال خفيفة، فلا يلبسون عمامة أو عقالا على رؤوسهم ولا يلبسون ثيابا مخيطة من الجبة والقفطان ولا من المشالح"العبايات"فوق الثياب، ولا من السراويل والبنطلونات، وإنما الجميع بلباس واحد وهيئة واحدة، ويدعون كلهم بلسان واحد لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. فالحج بلباس الإحرام، وترك الطيب والنساء وأطايب الطعام، معناه التجرد من الدنيا وشهواتها، والتفرغ التام لبعادة الملك القدوس السلام، من أداء الفروض والسنن، والتلبية والتهليل والتسبيح والاستغفار للعزيز الغفار بصدق وإخلاص والالتجاء إلى الكبير المتعال بالدعاء والتضرع ولزوم باب بيته الحرام، مدة دوام نسك الحج، عسى أن يتقبل الله عز وجل منا هذا التضرع والدعاء في المشاعر العظام، لنسعد بذلك في الدارين بفضله ورحمته، إنه هو الغفار الرحيم. فالحج إلى بيت الله الحرام، والوقوف بالمشاعر العظام، بهيئة المخصوصة وهي لباس الإحرام، هو شعار جميع المسلمين، ليتميزوا بهذا الركن الخامس العظيم عن أعداء الدين، وليتركوا بلباس الإحرام، جميع علامات التميز الدنيوي وجميع المعاصي والآثام، والله عز وجل أكرم من أن يرد عباده الحجاج الكرام، الذين يقصدون بيت الله الحرام ويتوبون إلى التواب الرحيم، عند بيته الكريم بصدق وإخلاص خائبين صفر اليدين. فالله تبارك وتعالى هو أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين لا إله إلا هو العزيز الغفار.