فهرس الكتاب

الصفحة 1912 من 3251

ومما لا يخفى على أهل الدنيا أن الإنسان إذا أراد المثول بين يدي الملوك، لا بد أن يرتدي لباس التشريفة، وهو ثياب خاصة للمثول بين أيديهم، فلا يدخل على الملوك رجل رث الثياب سيقم الإهاب أشعث أغبر. أما الوصول إلى بيت الله عز وجل والوقوف على بابه، فله ثياب خاصة، ثياب بسيطة لا تكليف فيها ولا تزيين، ثياب يليق بداخل بلد الله الأمين، ولباس صالح لم يقف على عتبة باب بيت الله المطهر، وبهيئة يخالف عادات الملوك ونظم أرباب الدولة، بحيث تكون هذه الهيئة ميسورة للكبير والصغير والجليل والحقير، لأنه لا يمنع أحد عن باب الواحد الأحد، فإنه أرحم الراحمين عظيم الفضل واسع الإحسان. فحكمة تجرد الإنسان من الثياب التي ألفها وارتدائه لباس الإحرام الأبيض عند دخول بلد الله أو عند إرادة الحج أو العمرة، هي التجرد من العادات الدنيوية، والتشبه بحال الأموات الذين مضوا إلى لقاء ربهم، والتفكر في البعث والنشور، فإن ذلك مما يلين القلوب ويشرح الصدور ويقرب العبد من ربه، حتى يعود بعد ذلك إلى العمل الصالح وما ينفعه في الدار الآخرة ( يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم) . وما أحلى لباس الإحرام على الحجاج وهم داخلون به مكة والمسجد الحرام وواقفون به في منى ومزدلفة وعرفات، يدعون الله تعالى وينادونه بلفظ"لبيك اللهم لبيك"وما أجمل هذا اللباس وهم على عرفات في صعيد واحد، لا فرق بين الصعلوك والوزير، ولا بين الغني والفقير، ولا بين الكبير والصغير، ولا بين الأعمى والبصير، ولا بين العربي والأعجمي، ولا بين الأبيض والأسود، ولا بين العالم والجاهل. اتحد الكل في الزي والشكل، كما اتحدوا في عبادة الحكم العدل، في هذا البلد الأمين، وفي هذه الصحراء الواسعة، امتثالا لأمر الله وابتغاء مرضاته، فيتجلى الله تعالى على هذا الجمع الغفير من الأمة المحمدية بالرحمة والمغفرة والفضل والإحسان، وهو الغني عن العالمين. هذا هو الدين الإسلامي الحنيف، وهو الدين السمح المعقول المقبول اللطيف، كلما توغل الإنسان في معرفته والعلم بأحكامه، كلما قوي إيمانه واطمئن قلبه وازداد حبا فيه ومعرفته بربه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت