لتحمسهم في دينهم، والحماسة: الشجاعة، والأحمس: الشجاع، أو لأنهم احتموا بالحمساء، وهي الكعبة. وكانت قريش، إذا زوجت عربياً من بناتهم، شرطوا عليه أن كل من ولدت منه فهو أحمسي، على دينهم ويرون أن ذلك أحفظ لشرفهم وأبسط لسلطانهم. وكانت لهم في العرب ميزة، لم تكن لغيرهم، ومنشأ ذلك فضل فيهم، وكمال في أخلاقهم، فقد كانوا حلفاء متآلفين، وبكثير من شريعة إبراهيم متمسكين، ولم يكونوا كالأعراب الأجلاف، ولا كمن لا يوقره دين، ولا يزينه أدب. وكانوا يختنون أولادهم، ويحجون البيت، ويقيمون المناسك، ويكفنون موتاهم، ويغتسلون من الجنابة وتبرأوا من الهربذة وتباعدوا في المناكح، من البنت وبنت البنت والأخت وبنت الأخت، غيرةً وبعداً من المجوسية.ونزل القرآن، بتوكيد صنيعهم، وحسن اختيارهم. وكانوا يتزوجون بالصداقة والشهود ويطلقون ثلاثاً، ولذلك قال عبد الله بن عباس وقد سأله رجل عن طلاق العرب فقال: كان الرجل يطلق امرأته تطليقة، ثم هو أحق بها، فإن طلقها اثنتين فهو أحق بها أيضاً، فإن طلقها ثلاثاً، فلا سبيل له إليها ولذلك قال الأعشى: يا جارتي بيني فإنك طالقة كذلك أمور الناس غادٍ وطارقة وبيني فقد فارقت غير ذميمة وموموقة منا كما أنت وامقة وبيني فإن البين خير من العصا وأن لا ترى لي فوق رأسك باقة وكان من عادة الحمس، إذا أحرموا، أن لا يأتقطوا الأقط، ولا يأكلوا السمن، ولا يسلوه - لا يطبخوه ولا يعالجوه- ولا يمخضوا اللبن، ولا يأكلوا الزبد، ولا يلبسوا الوبر ولا الشعر، ولا يغزلوه أو ينسجوه أو يستظلوا به ما داموا حرماً. وما كانوا كذلك يأكلون شيئاً من نبات الحرم، وكانوا يعظمون الأشهر الحرم ولا يخفرون فيها الذمة ولا يظلمون، وكانوا يطوفون بالبيت عليهم لباسهم، وكانوا إذا أحرم الرجل منهم، في الجاهلية وأول الإسلام، فإن كان من أهل البيوت، نقب نقباً في ظهر بيته، فمنه يدخل ومنه يخرج. وما زالوا كذلك، وحتى بعث الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فأحرم عام الحديبية، فدخل بيته، وكان معه رجل من الأنصار، فوقف الأنصاري بالباب، فقال له: ألا تدخل؟ فقال الأنصاري: إني أحمسي يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا أحمسي ديني ودينك سواء فدخل الأنصاري مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الباب. وفي ذلك نزل قوله تعالى