وحكى ابن إسحاق صاحب السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام أن أول من نسأ الشهور على العرب، وأحل منها ما أحل، وحرم ما حرم، العلمس. وهو حذيفة بن فقيم بن عام بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة. ثم قام بعده ولده عباد، قم قام بعد عباد ابنه قلع، قم قاب بعد قلع ابنه أمية، ثم قابم بعد أميه ابنه عوف ثم قام بعد عوف ابنه أبو ثمامة جنادة، وعليه ظهر الإسلام. فكانت العرب إذا فرغت من حجها، اجتمعت عليه بمنى، فقام فيها على جمل، وقال بأعلى صوته:"اللهم إني لا أخاف ولا أعاف، ولا مرد لما قضيت. اللهم إني أحللت شهر كذا - ويذكر شهراً من الأشهر الحرم، وقع اتفاقهم على شن الغارات فيه- وأنسأته إلى العام المقبل - أي: أخرت تحريمه- وحرمت مكانه شهر كذا من الأشهر البواقي". وكانوا يحلون ما أحل، ويحرمون ما حرم, وفي ذلك يقول عميرة بن قيس بن جذل الطعان، من أبيات يفتخر: ألسنا الناسئين على معد شهور الحل نجعلها حراما وحكى السهيلي في كتابه المترجم"بالروض الأنف"أن نسئ العرب كان على ضربين: أحدهما تأخير المحرم إلى صفر، لحاجاتهم إلى شن الغارات وطلب الثأر،والثاني تأخير الحج عن وقته، تحرياً منهم للسنة الشمسية. فكانوا يؤخرونه في كل عام أحد عشر يوماً، حتى يدور الدور في ثلاث وثلاثين سنة، فيعود إلى وقته. فلما كانت السنة التاسعة من الهجرة، حج بالناس أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، فوافق حجه في ذي القعدة، ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام القابل، فوافق عود الحج إلى وقته، في ذي الحجة، كما وضع أولاً. فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حجه، خطب فكان مما قال في خطبته صلى الله عليه وسلم: إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، يعني أن الحج قد عاد في ذي الحجة.... انتهى من كتاب نهاية الأرب. وجاء في تاريخ الأزرقي عن إنساء الشهور أيضاً ما نصه: قال الكلبي: فكان أول من أنسأ الشهور من مضر مالك بن كنانة، وذلك أن مالك بن كنانة نكح إلى معاوية بن ثور الكندي وهو يومئذ في كندة، وكانت