هؤلاء، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة بأمره، وهي قرية شرقي عرفات، وهي خراب اليوم، فنزل بها حتى إذا زالت الشمس أمر بناقته القصواء فرحلت، ثم سار حتى بطن الوادي من أرض عرنة. فخطب الناس على راحلته، خطبة عظيمة، قرر فيها قواعد الإسلام، وهدم فيها قواعد الشرك والجاهلية، وقرر فيها تحريم المحرمات، التي اتفقت الملل على تحريمها، وهي: الدماء والأموال والأعراض، ووضع فيها أمور الجاهلية تحت قدميه، ووضع فيها ربا الجاهلية كله وأبطله، وأوصاهم بالنساء خيراً، وذكر الحق الذي لهن وعليهن، وأن الواجب لهن الرزق والكسوة بالمعروف، ولم يقدر ذلك بتقدير، وأباح للأزواج ضربهن إذا أدخلن إلى بيوتهن من يكرهه أزواجهن، وأوصى الأمة فيها بالاعتصام بكتاب الله، وأخبر أنهم لن يضلوا ما داموا معتصمين به ثم أخبرهم أنهم مسئولون عنه واستنطقهم بماذا يقولون وبماذا يشهدون فقالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فرفع إصبعه إلى السماء واستشهد الله عليهم ثلاث مرات، وأمرهم أن يبلغ شاهدهم غائبهم. وسيأتي نص الخطبة في الكلام على حج الجاهلية، فلما أتمها، أمر بلالاً فأذن، ثم أقام الصلاة فصلى الظهر ركعتين، أسر فيهما بالقراءة، وكان يوم الجمعة، فدل على أن المسافر لا يصلي جمعة، ثم أقام فصلى العصر ركعتين أيضاً، ومعه أهل مكة، وصلوا بصلاته قصراً وجمعاً، بلا ريب، ولم يأمرهم بالإتمام ولا بترك الجمع ومن قال: أنه قال لهم:"أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر، فقد غلط ليه غلطاً بيناً، ووهم وهماً قبيحاً"، وإنما قال لهم ذلك في غزاة الفتح، بجوف مكة، حيث كانوا في ديارهم مقيمين. ولهذا كان أصح أقوال العلماء: أن أهل مكة يقصرون ويجمعون بعرفة كما فعلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وفي هذا أوضح دليل على أن سفر القصر لا يتحدد بمسافة معلومة، ولا بأيام معلومة، ولا تأثير للنسك في قصر الصلاة البتة، وإنما التأثير لما جعل الله سبباً، وهو السفر. هذا مقتضى السنة ولا وجه لما ذهب إليه المحددون. فلما فرغ من صلاته ركب، حتى أتى الموقف فوقف في ذيل الجبل، عند الصخرات، واستقبل القبلة، وجعل حبل المشاة بين يديه، وكان على بعيره، فأخذ في الدعاء والتضرع والابتهال، إلى غروب الشمس، وأمر الناس أن يدفعوا عن بطن عرنة وأخبر أن عرفة لا تختص بموقفه ذلك بل قال: وقفت هاهنا وعرفة