فهرس الكتاب

الصفحة 2214 من 3251

صرح وضاح فيما صرح به أمام الملك بأن جيش معاوية قائم برسالة إنسانية لا حدصود لها، ولا يقف دونها بحر ولا يابسة، وأنه مكلف خاصة بتطهير المجتمع البشري، من جشع الإقطاع، وعدوان الملوك ورؤساء الكنائس، وكان رئيس البطارقة واقفا إلى جانب الملك فتحمس ودفعه الغضب إلى الاعتداء على وضاح فلكمه على وجهه لطما مهينا موجها، وثارت في الأسير الكريم أريحيته القرشية وعزته العربية فصاح قائلا: وا إسلاماه ...!! أين أنت عنا يا معاوية.! أهملتنا وضيعت ثغورنا، وحكمت العدو فينا. انقلب الفتى الفدائي الذي كان يشهد هذا الاعتداء عائدا إلى دمشق وأعلم الخليفة، بما حدث وأكد له أن وضاحا ما يزال في الأسر. وبادر الخليفة باستدعاء رجل من ساحل دمشق، من مدينة صور، وكان عارفا بالأقاليم المجاورة، كثير الغزوات في البحر، صمل عظيم الحيلة بارع التصرف، يجيد التكلف باللغة الرومية كأحد أبنائها، وجهز له سفنا تجارية، وأعطاه مالا كثيرا وأوعز له أن يتظاهر بالاتجار مع القسطنطينية، وأن يعمل على إيقاع البطريق الذي اعتدى على الفدائي وضاح في الأسر، ويحمله إلى دار الخلافة من غير إساءة ولا عنف. بينما كان المبعوث يقوم بدوره اتصل الخليفة معاوية بملك الروم وعرض عليه مبادلة الأسرى، وعين له من بين الأسرى المسلمين وضاحا بن مسلمة، وتمت المبادلة، ودخل وضاح إلى قصر الخلافة فأنعم عليه معاوية بالعطايا والهدايا والمكافئات، وظن الفدائي أن خليفته استجاب لندائه وافتداه، وأنعم عليه، وقرت عينه بذلك، ولكنه لم يدر أن الخليفة يهيئ له ترضية أخرى أسمى وأرفع وأرضى من جميع ذلك. نجح الرائد الصوري في اصطياد البطريق بعد أن تربص به سنة كاملة، واقتاده في سفينته إلى دمشق، وكان البطريق يرجف خوفا من أن يحكم الخليفة العربي بإعدامه، وضاقت به السفينة، وأظلمت الدنيا في وجهه، ولم يسكن من روعه تأكيد الرائد له بأن معاوية لا يظلم أحدا ولا يسرف في الاقتصاص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت