فهرس الكتاب
وفي القصة التالية يعرض نديمة عبد الله بن حمدون صورة لأسلوبه في حفظ الأمن وتأديب العابثين به،قال: كان المعتضد يسير بعسكره في بعض النواحي وأنا معه، فصاح رجل في قثاء، فاستدعاه وسأله عن سبب صياحه: فقال: أخذ بعض الجيش شيئا، فقال: اطلبوهم، فجاءوا بثلاثة أنفس، فسأل الخليفة: أهؤلاء الذين أخذوا القثاء؟ فقال الرجل: نعم فقيدهم في الحال وأمر بحبسهم، فلما كان من الغد ضرب أعناقهم، فأنكر الناس ذلك وتحدثو به، وحزنت قلوبهم. ومضت على ذلك مدة طويلة، فجلست أحادثه ليلة، فقال لي: يا عبد الله، هل تعتب الناس على شيئا؟ عرفني حتى أزيله، فقلت: كلا يا أمير المؤمنين، فقال: أقسمت عليك بحياتي إلا صدقتني، قلت: يا أمير المؤمنين أقول وأنا آمن؟ قال: نعم، قلت: إسراعك إلى سفك الدماء، فقال: والله ما هرقت دما قط منذ وليت هذا الأمر إلا بحقه. قال: فأمسكت إمساك من ينكر هذا الكلام، فقال: بحياتي إلا قلت؟ فقلت: يتحدثون عن قتلك أحمد ابن الطيب، وكان خادمك، ولم تكن له جناية ظاهرة، فقال: ويحك إنه دعاني إلى الإلحاد، فقلت له: يا هذا أنا ابن عم صاحب هذه الشريعة، وأنا الآن منتصب منصبه فكيف ألحد؟ وكان يقول لي: إن الخلفاء لا تغضب، وإذا غضبت لم تر حسن، فلم أستحسن إطلاقة. فسكت سكوت من يريد الكلام، فقال: في وجهك كلام، فقتل: الناس ينقمون عليك أمر الرجال الثلاثة الذين قتلتهم للقثاء، فقال: والله ما كان أولئك المتقولون هم الذين أخذوا القثاء، وإنما كانوا لصوصا حملوا من موضع كذا وكذا. ووافق ذلك أمر أصحاب القثاء فأردت أن أهول على الجيش بأن من عاث منهم وأفسد في هذا القدر، كانت هذه عقوبتي له، ليكفوا عما فوقه، ولو أردت قتلهم لقتلتم في الحال والوقت وإنما حبستهم، وأمرت بإخراج اللصوص مغطين الوجوه ليقال أنهم أصحاب القثاء. فقلت: فكيف تعلم العامة: قال: بإخراجي الجنود الذين أخذوا القثاء أحياء، وإطلاقي لهم في هذه الساعة، ثم قال: هاتو الجنود، فجاءوا بهم وقد تغيرت حالهم، فقت لهم: ما قصتكم؟ فقصوا عليه قصة القثاء، فاستتابهم عن فعل مثل ذلك وأطلقهم فانتشرت الحكاية فزالت التهمة، انتهى من كتاب المطالعة الوافية.