فهرس الكتاب
عهد الرشيد بالولاية لابنه المأمون جاء في كتاب"الإمامة والسياسة"ما يأتي: لما اشتدت العلة وتمادى الوجع بهارون الرشيد رحمه الله تعالى ذكر البيعة لابنه عبد الله المأمون وذلك سنة أربع وتسعين ومائة ، فلما سمعت بذلك زبيدة وكان ابنها منه محمد الأمين كرهت منه ذلك وأكربها حتى ظهر على وجهها أثر الغم ، فدخلت على الرشيد يوما تعاتبه في ذلك أشد المعاتبة . فقال لها الرشيد: ويحك إنما هي أمة محمد ورعاية من استرعاني الله تعالى طوقا بعنقي ، وقد عرفت ما بين أبني وابنك ، ليس ابنك يا زبيدة أهلا للخلافة ولا يصلح للرعاية . فقالت: ابني والله خير من ابنك ، وأصلح لما تريد ، ليس بكبير سفيه ، ولا صغير فهيه ، واسخى من ابنك نفسا وأشجع قلبا . فقال هارون: ويحك إن ابنك قد زينه في عينك ما يزين الولد في عين الأبوين ، فاتقي الله ، فو الله إن ابنك لأحب إلي ، إلا أن الخلافة لا تصلح إلا لمن كان لها أهلا ، ولها مستحقا ، ونحن مسؤولون عن هذا الخلق ، ومأخوذون بهذا الأنام ، فما أغنانا أن نلقى الله بوزرهم ، وننقلب إليه بإثمهم ، فاقعدي حتى أعرض عليك ما بين ابني وابنك ، فقعدت معه على الفراش . فدعا ابنه عبد الله المأمون ، فلما صار بباب المجلس سلم على أبيه بالخلافة ، فأذن له بالجلوس فجلس ، وأمر له فتكلم ، فحمد الله على ما من به عليه من رؤية أبيه ، ويرغب إليه في تعجيل الفرج مما به ، ثم استأذن في الدنو من أبيه ، فدنا منه ، وجعل يلثم أسفل قدميه ، ويقبل باطن راحتيه ، ثم أنثنى ساعيا إلى زبيدة ، فأقبل على تقبيل رأسها ، ومواضع يديها ، ثم انحنى إلى قديها ثم رجع إلى مجلسه . فقال الرشيد: يا بني إني أريد أن أعهد إليك عهد الإمامة ، وأقعدك مقعد الخلافة ، فإني قد رأيتم لها أهلا ، وبها حقيقا ، فاستعبر عبد الله المأمون باكيا ، وصاح منتحبا ، يسأل الله العافية من ذلك ، ويرغب إليه أن لا يرى فقد أبيه . فقال له يا بني: إني أراني لما بي وأنت أحق ، وسلم الأمر لله ، وارض به ، واسأله العون عليه ، فلا بد من عهد يكون في يومي هذا . فقال عبد الله المأمون: يا أبتاه ، أخي أحق مني وابن سيدتي ، ولا أخال إلا أنه أقوى على هذا الأمر مني ، ثم أذن له فقام خارجا . ثم دعا هارون بابنه محمد فأقبل يجر ذيله ، ويتبختر مشيته ، فمشى داخلا بنعليه قد نسي السلام ، وذهل عن الكلام ، نخوة وتجبرا ، وتعظيما وإعجابا ، فمشي حتى