فهرس الكتاب
ما قاله الاستاذ الرافعي في بلاغته صلي الله عليه وسلم جاءت من سبيله وان لم يكن لها منه دليل فقد كانت هي من دليله محكمة الفصول حتي ليس فيها كلمة مفضولة وكانما هي في اختصارها وافادتها نبض قلب يتكلم وانما هي في سموها واجادتها مظهر من خواطره صلي الله عليه وسلم ان خرجت في الموعظة قلت انين من فؤاد مقروح وان راعت بالحكمة قلت صورة بشرية من الروح في منزع يلين فينفر بالدموع ويشتد فينزو بالدماء واذا اراك القران انه خطاب السماء للارض اراك هذا انه كلام الارض بعد السماء وهي البلاغة النبوية تعرف الحقيقة فيها كانها فكر صريح من افكار الخليقة وتجئ بالمجاز الغريب فتري من غرابته انه مجاز في حقيقة وهي من البيان في ايجاز تتردد فيه ( عين ) البليغ فتعرفه مع ايجاز القران فرعين فمن راه غير قريب من ذلك الاعجاز فليعلم انه لم يلحق به هذه"العين"أي فليعلم هذا الناظر انه غير بليغ واذا جعلت من الياء في لفظ ( الايجاز ) عينا صار ( الاعجاز ) فالتورية ظاهرة في"العين"- علي انه سواء في سهولة اطماعه وفي صعوبة امتناعه ان اخذ ابلغ الناس في ناحيته لم ياخذ بناصيته وان اقدم علي غير نظر فيه رجع مبصرا وان جري في معارضته انتهي مقصرا الي ان قال في فصاحته صلي الله عليه وسلم ما نصه وان كلامه صلي الله عليه وسلم لكما قال الجاحظ هو الكلام الذي قل عدد حروفه وكثر عدد معانيه وجل عن الصنعة ونزه عن التكلف استعمل المبسوط في موضع البسط والمقصور في موضع القصر وهجر الغريب الوحشي ورغب عن الهجين السوقي فلم ينطق الا عن ميراث حكمة ولم يتكلم الا بكلام قد حف بالعصمة وشد بالتاييد ويسر بالتوفيق وهذا الكلام الذي القي الله المحبة عليه وغشاه بالقبول وجمع له بين المهابة والحلاوة وبين حسن الافهام وقلة عدد الكلام وهو مع استغنائه عن اعادته وقله حاجة السامع الي معاودته لم تسقط له كلمة ولا زلت له قدم ولا بارت له حجة ولم يقم له خصم ولا افحمه خطيب بل ييذ الخطب الطوال بالكلام القصير ولا يلتمس اسكات الخصم الا بما يعرفه الخصم ولا يحتج الا بالصدق ولا يطلب الفلج الا بالحق ولا يستعين بالخلابة ولا يستعمل المؤاربة ولا يهمز ولا يلمز ولا يبطئ ولا يعجل ولا يسهب ولا يحصر ثم لم يسمع الناس بكلام قط اعم نفعا ولا اصدق لفظا ولا اعدل وزنا ولا اجمل مذهبا ولا اكرم مطلبا ولا احسن موقعا ولا اسهل مخرجا ولا افصح عن معناه ولا ابين عن فحواه من كلامه صلي الله عليه وسلم اهـ .