التاريخ القويم مسجد كبير وجامع متسع فالمقام الحنفي أو ما اتخذ كان بمثابة المكبرية للتبليغ والدليل على ذلك صورته التي هي عليه اليوم رغم تجدد التعميرات فيه بخلاف بقية المقامات وأيضا لا يزال يرقى عليه المكبرون الذين يبلغون الناس حركات الإمام وموقعه في طرف حاشية المطاف مقابل لميزاب الكعبة ولم يكن في ابتداء الأمر ينسب للحنفي بل كان يطلق عليه لفظ المقام فقط أي مكان إقامة الصلوات أو مقام مبلغ حركات الإمام ولما كان المقام بطبيعة الحال مسقوفا كان إمام المسجد الحرام يصلي تحته ولا يبعد أنه كان حنفي المذهب فنسب المقام إليه فأطلقوا عليه المقام الحنفي فرقا بينه وبين مقام إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ثم بمرور الأيام وتوالي السنين والتشيع للمذاهب أحدثوا أربعة أمكنة حول حاشية المطاف لكل مذهب من المذاهب الأربعة مكان خاص وأطلقوا عليها اسم المقامات الأربعة لكن ليس بينها ما يأخذ صفة المكبرية إلا المقام الحنفي ولما كان هذا المقام له أهمية كبرى في تبليغ الناس حركات الإمام إلى عصرنا هذا فقد اهتم السلاطين والملوك بتعميره وزخرفته وحسن بنائه وبالأخص سلاطين آل عثمان الذين كانوا على مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى جاء في تاريخ القطبي المسمى الإعلام بأعلام بيت الله الحرام عن تجديد بناء المقام الحنفي بواسطة الأمير مصلح الدين بك الذي أرسله السلطان سليم خان إلى مكة بالصدقات والهبات لأهل الحرمين وذلك في شهر القعدة سنة 923 تسعمائة وثلاث وعشرين هجرية ما نصه ومما جدده الأمير مصلح الدين المذكور بناء مقام الحنفية فإنه كان مسقفا على أربعة أعمدة في صدره محراب عمل سنة 801 أحد وثمانمائة فأراد أن يوسعه ويجعله قبة فأمر بعقد مجلس حضر فيه القضاة الأربعة والأئمة والعلماء والأعيان وقال لهم إن الإمام الأعظم أبا حنيفة روح الله تعالى روحه الشريف بروائح الروح والريحان والرحمة والرأفة والرضوان جدير بأن يكون له في هذا المسجد الحرام مقام يجتمع فيه أهل مذهبه ومقلدوه يكون أوسع من هذا المقام فقال بعض العلماء إنه لا شك في عظم كل واحد من الأئمة رضوان الله عليهم أجمعين غير أن تعدد المقامات في مسجد واحد لاستقلال كل مذهب بإمام ما أجازه كثير من العلماء وإن تعدد هذه المقامات في وقت حدوثه أنكره العلماء