فهرس الكتاب

الصفحة 2834 من 3251

التاريخ القويم وشاء سحنون أن يتخذ بيت قضائه في أحضان المسجد الجامع وبين أحد أجنحته الخارجية فخلع عليه بذلك المهابة والإكبار وأفاض عليه من روحانية العبادة وجلال التجرد والنسك ما جعله يبتعد عن المادة ويقترب من الناموس الأعظم حتى أدى ذلك إلى تشجيع الصعلوك على مقاضاة الأسياد والكبراء ومجالستهم الجنب بالجنب ومجادلتهم الكلمة بالكلمة وقد ابتكر سحنون خطة الكتابة العامة لدائرة القضاء العالي وأسندها على مزاحمه العلامة القاضي سليمان بن عمران زعيم الكوفيين والمرشح الثاني لولاية القضاء الأفريقي وقصد سحنون أن يصيب بذلك التعيين ثلاثة أهداف الأول إرضاء أتباع المذهب الكوفي في شخص زعيمهم الثاني الاستفادة من مواهب سليمان وغزير علمه الثالث تمرينه على القضاء وفعلا فقد انتخب بعد ذلك في منصب القاضي الأكبر ولم يتردد سليمان في قبول ما عرضه عليه سحنون حرصا على زيادة الارتواء من منهله الذي لا ينضب ومعينه الذي لا يغور ورغبة في ممارسة ما عرف عن سحنون من شدة التحري وقوة البداهة وبراعة الاستنتاج كما أحدث سحنون ديوان التسجيل وأناطه بعهدة عالمين فقيهين يتوليان تسجيل الأحكام والاعترافات والشهادات في مجلس القاضي وبين يديه أحدث سحنون نظامي الاستقدام الشخصي كتابة ومشافهة والاستقدام الجبري ولو أنه لم يضطر كثيرا لاستعماله وكان إذا استدعى كبير في المثول بين يدي القاضي يأمر عون المحكمة بسحبه ووضع حبل في عنقه إن اقتضى الحال ذلك وعمد ذات مرة إلى إذاعة منشور في أطراف المملكة يستنفر فيه جيشا من الفتيان والشبان ليقدموا عليه وينفذوا أمره كما أحدث طريقة على الغائب وهي التي جرى عليها في الظروف الأخيرة عمل المحاكم التونسية كما أحدث الجدول اليومي المعد لضبط أسماء المتقاضين بحسب أسبقيتهم في الحضور وأوجب أن لا يخرق نظام الأسبقية إلا إذا حضر مضطر أو ملهوف فيكون له حق الأولوية وكما قرر أن يجري القضاء في بيت المحكمة بمحضر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت