فهرس الكتاب
أو هابطين في الجنوب إلى اليمين ، فمهروا في التجارة وتضخمت رؤوس أموالهم وبلغت قوافلهم التجارية ألف بعير في عهد غزوة بدر ، مضافًا إليها خمسون ألف دينار منقولة بين أثقالهم ، وهي نسبة لها قيمتها المادية إذا قيست بالثروات في عهدها وبلغ من ثراء قريش أنها استطاعت في الغزوة نفسها أن تفتدي أسراها من المكيين بأربعة آلاف درهم إلى ألف درهم ، إلا من عفا عنهم النبي صلي الله عليه وسلم من المعدمين . ويقول أيضًا عن الناحية الاجتماعية: ووهم بعض المؤرخين في إدراج مكة مدارج القبائل من أحياء العرب ، وحسب آخرون أنها كانت نزلة يمضي عليها ما يمضي على نزل العرب وقراهم في آفاق الجزيرة ، ولكن شيئًا من الاستقراء ينتهي بنا إلى غير هذه النتيجة فالقرآن سماها في أكثر من مرة ( أم القرى ) وفي هذا ما يشير إلى ميزتها في المستوى من حولها من منازل الجزيرة وقراها ، والقرآن خاطبها بمعان ليس من يعتقد أنها غريبة عنها ، فتحدث عن المشكاة والمصبح والزجاج ، وعن المساكن يعرج إليها بالمعارج ، وتحدث عن أنواع من الطيب ؛ كالكافور والزنجبيل والمسك ، وأنواع من الأثاث المترف ؛ كالنمارق والزرابي والسرر والفرش المبطنة بالإستبرق والسندس ، وأنواع الأواني من الأثاث الفضة ؛ كالقوارير والأكواب والكؤوس ، وأنواع من الحلي ؛ كالمرجان ، واللؤلؤ ، كما حدثهم عن القراطيس والكتب والسجلات والصحف والأقلام والمداد ، وأشار في كثير من آياته إلى النحاس والحديد والفخار والصحاف والجفاف والقدور - ولا يقول إنسان أن القرآن كان يخاطبهم بما لا يفهمون مدلوله من الألفاظ وانه كان يشير إلى معان غريبة عنهم . إذًا فبيئتهم كانت تعرف هذه المعاني معرفة من اختلط بها واندمج فيها ، وفي هذا من الأدلة ما يقوم بحجتنا على من وهم من المؤرخين ، وفيه ما ينطق بان مكة كانت في ذلك العهد قد أخذت بطرف غير يسير من أسابب الحضارة الخاصة بجيلها الذي تعيش فيه . وليس في هذا ما يدعو إلى الاستغراب ، فقد كان المكيون من قريش يضربون في مناكب الأرض بين اليمين والشمام والعراق وفارس والهند ومثر والحبشة ، ويتصلون في رحلاتهم هذه بالقصور المشيدة والعمران الفخم وألوان من الحضارة