فهرس الكتاب

الصفحة 598 من 3251

وكان لمترفيهم مجالس للسمر ينصبون لها أرائك ويمدون فيها الموائد ، ويتفكهون بما طاب من ثمارهم ويتلذون بفواكه الطائف الطازجة ، أو مجففات الشام وفلسطين المستوردة لمتاجرهم . وكانوا يتخذون من ثمرات النخيل والأعناب خمورًا يعدونها في مجالسهم في آنية من فضة وأقداح من بلور ، ويدور عليهم ساقيهم بها تفوح منها روائح المسك والكافور والزنجبيل . وكانت لهم حلقات يعقدها القصاصون يتلون فيها عليهم أساطير الأولين ، أو يقصون عليهم بعضًا من نوادر الحياة مما يصادقه الرجل في آفاق الأرض ، فيجتمع إلى هذه الحلقات كهولهم في أقبيتهم الفضفاضة وشبيبتهم في ثيابهم الموردة أو المحمرة ، من أغلى أنواع الحرير المجلوب من بلاد فارس أو المصنوع في العراق والشام . وكانت مكة في عهد قريش تضم إلى هذا ما تضمه عواصم اليوم تقريبًا ، من جاليات أجنبية يهبطون إليها بفنونهم وأموالهم وبعض علومهم ، فلا تلبث أن تتسع لما يهبط إليها وتفسح لها من المجال ما تفسحه اليوم - وكثير من كتب السير في مجموعها تحدثنا بأنه كان من سكانها نصارى الروم ووثنيون من فارس ، وأنه سكنها جاليات من العراق ومصر والحبشة والسريان ، ونحن لا نستبعد أن يكون نزوح هذه الجاليات فرارًا من الثورات وألوان الاضطهاد ، أو تحت عوامل أخرى شبيهة بالتي تؤثر في انتقال الموجات البشرية في كل دور من أدوار التاريخ . ولست أرى رأي من يقول بشيوع الأمية شيوعًا مطلقًا في هذه البيئة التي ندرسها ، ولا ممن يرى ن وسائل الكتابة يومها كانت تقتصر على ا عن الصحف المنتشرة وسجلات الكتب والمداد والأقلام ، ما يشير إلى معرفتهم بها وأنهم كانوا لا يجهلونها . ومما يلفت النظر أن القرآن في أوائل نزوله بمكة كان يكتب وينسخ - ويذكر ابن هشام في سيرته أن عمر دخل على شقيقته قبل إسلامه وفي يدها صحيفة قرآنية ، ويؤيد هذه الرواية أكثر المؤرخين ، وهي تدل فيما تدل على وجود الصحف يومها وان نسخها كانت تتداول في مكة ولا يصح فيما أرى أن تكتب الصحف ويتداول نسخها في بيئة تشيع فيها الأمية شيوعًا مطلقًا ، وتقتصر المعرفة فيها على أشخاص معدودين على أصابع اليد كما يذكر بعضهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت