فهرس الكتاب
النواحي العامة بمكة في العهد النبوي ثم يقول صديقنا الأستاذ السباعي في أوائل كتاه المذكور بعد ما تقدم ، عن النواحي العامة بمكة في عهد النبي صلي الله عليه وسلم ما يأتي: الناحية الدينية: بدأت الحياة في مكة بعد الفتح تأخذ شكلًا جديدًا غير الشكل الذي كانت تعرفه قبله ، فبعد أن كانت مثلها العليا تفانيًا للقبيلة ، وتفاخرًا بالآباء ، وأخذًا بالثأر ، وكرمًا يؤدي إلى التلف ، وامتيازًا لأصحاب الصدارة ، وقدرة على الثراء بالحق والباطل . أصبحت وقد هذبها القرآن ، تدرين بالإخاء لله ، وتعتقد بالسيادة في الدين ، وأنه لا فضل لعربي على عجمي ، وأصبحت الصدارة في رأيها لأصحاب التقوى ، وأثر هذا في عقليتها العامة فارتسمت لها أخلاق جديدة مستوحاة من القرآن ، وتفتحت أمامها آفاق لا عهد لها بها من سيرة الرسول صلي الله عليه وسلم ، فاندمجت فيما رأت ، ونسيت نخوتها الجاهلية وعصبيتها للقبيلة ، واستتبع ذلك أن ضاقت بها دائرة الشعر فلم تجد لها فيه مجالًا إلا ما استمد روحه من الدين ، واصطبغ بلون من أخلاق القرآن . على أننا لا نريد أن نطلق هذا على جميع المكيين في ذلك العهد ، ونحن نعلم أن مكة حفلت يومها بالمتمردين من البدو والجفاة من الحضر ، إلى جانب المؤمنين الذين أخلصوا دينهم واحترموا عقائدهم ."وقال عن الناحية الاجتماعية": وأحسبنا في غنى عن أن نشير إلى أن جلة المكيين ، من كبار الصحابة أو البارزين في قبائلهم من السابقين الأولين إلى الإسلام ، كانوا قد نفروا خفافًا وثقالًا إلى المدينة محتذين حذو رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وأن النبي كان قد كره لهم بعد الفتح أن يعودوا إلى الاستيطان بها برًا بالمدينة وقد آوتهم ، وإخلاصًا لأهلها وقد ناصروهم . أقول: لعلنا في غنى عن أن نقول هذا كله لنعرف من نتائجه ما ينبغي أن نعرفه ، من أن مكة دفعت بجلة أبنائها إلى دار الهجرة ، وأنها بقيت رغم هذا غاصة بسكانها الأصليين من بطون القبائل والنازحين إليها من العرب المجاورين والموالي .