فهرس الكتاب
فاستراح قليلًا ، ثم سار وبجانبه أبو بكر يحادثه وهو يقرأ سورة الفتح حتى بلغ البيت ، وطاف سبعًا على راحلته واستلم الحجر بمحجنه ، وكان حول الكعبة إذ ذاك ثلاثمائة وستون صنمًا فجل عليه السلام يطعنها بعود في يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل وما يبدئ الباطل وما يعيد ، ثم أمر بالآلهة فأخرجت من البيت وفيه صورة إسماعيل وإبراهيم في أيديهما الأزلام فقال عليه السلام:"قاتلهم الله لقد علموا ما استقسما بها قط". وهذا أول يوم طهرت فيه الكعبة من هذه المعبودات الباطلة ، وبطهارة الكعبة المقدسة عند جميع العرب باديها وحاضرها من هذه الأجناس ، سقطت عبادة الأوثان من جميع بلاد العرب إلا قليلًا . وقد بسطنا الكلام على فتح مكة المشرفة ، إنما أتينا بهذه النبذة كمقدمة لما سيتي من الكلام لمداخل مكة ، وإليك تفصيل ذلك ، فنقول وبالله تعالى التوفيق: جاء في تاريخ الأزرقي عن مجاهد أنه قال: وجد في بعض الزبور"أنا الله ذو بكة جعلتها بين هذين الجبلين وضعتها يوم صغت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء ، وجعلت رزق أهلها من ثلاثة سبل فليس يؤتي أهل مكة إلا من ثلاث طرق ، من أعلى الوادي وأسفله وكداء وباركت لأهلها في اللحم والماء". انتهي من الأزرقي . وقال القبطي في تاريخه: ومكة شرفها الله تعالى ، تحيط بها جبال لا يسلك إليها الخيل والإبل والأحمال إلا من ثلاث مواضع ، أحدها من جهة المعلاة ، والثانية الشبيكة ، والثالثة من المسفلة ، وأما الجبال المحيطة بها ، فيسلك من بعض شعابها الرجال على أقدامهم ، لا الخيل والجمال والأحمال . انتهى من القطبي . نقول: إن الله تعالى لما أحاط بلده الأمين"مكة"بالجبال الشامخات ، جعل لها من أصل الخلقة ثلاث طرق عامة يدخل الناس منها بدوابهم وأحمالهم ، ولا زالت هذه الطرق العامة مستعملة مطروقة إلى اليوم ، فيأتي إليها الناس ركبانًا ومشاة من طرق الطائف من أعلاها وهي جهة المعلاة ، ويأتون إليها أيضًا من طريق اليمن من أسفلها وهي جهة المسفلة ، ويأتون إليها أيضًا من طريق جدة من جهة الشبيكة . فهذه ثلاث طرق أصلية لا زالت مستعملة من قديم الأزل إلى اليوم ، ويمكن أيضًا الوصول إلى مكة من جميع جهاتها ، بتسلق الجبال والمشي بين الشعاب الملتوية ، لكن ذلك يستلزم المشقة والتعب الشديد ، وربما ضل السائر طريقة فهلك من العطش والتعب .