فهرس الكتاب

الصفحة 959 من 3251

وصف الصحراء وينصل الليل فينبعث من اول متيقظ من رجال القافلة حي علي الصلاة الصلاة خير من النوم"فيستيقظ القوم وكانهم يجمعون عظامهم ومع ذلك فما اعظم ما طرا عليهم سري فيهم الامل وتولدت الثقة بل قد يعتقدون في ضمائرهم ان سيجري كل شيء علي ما تهوي نفوسهم والدنيا بعد فضاء مكفهر رطب ونيران الصباح وحدها تذهب ببرودة نسيم الشمال فاذا كان الجو صحوا لا سحاب فيه ولا مطر انتشر في السماء نور ضئيل يرمي خلف الرجال والابل ظلالا مستطيلة رواغة تدق حتي ما تكاد تسميها ظلالا ثم يتخضب الفضاء بحمرة تبعث الدفء حتي اذا ما بدت ذكاء لم يبق في الصحراء الا ذلك المنبسط السحيق من زرقة وصفرة ثم تنصل الزرقة شيئا فشيئا حتي اذا نتصف النهار امحت الالوان من السماء ويخلق الصباح قوة جديدة تلك هي الساعات التي يتجلي فيها للانسان سحر الصحراء وجمالها في سكون هذا الفضاء المتسع يدق الاحساس ويرهف حتي ليشعر قاطع الصحراء احيانا بقر ( واحة ) عامرة وتغلب غريزته ايضا فيحس بمئات الاميال التي تبعده عن كل كائن حي وفي تلك اللانهائية الساكنة يصحو الجسم وتصفو الروح فيشعر الانسان بانه اقرب الي الله عز وجل ويحس قوة قاهرة ليس لقوة اخري ان تحول قلبه عنها ويتسرب الي نفسه الايمان بالقدر الغالب فيصبح شديد الاستسلام حتي يهون عليه بذل حياته للصحراء دون تبرم وهناك حقا اوقات يشعر الانسان فيها بان الحياة قليلة الوزن هينة وتكشف الصحراء من الانسان عن جوانبه الشريفة فانك اذا واجهت اهل المدن بالخطر ناضل كل عن نفسه اما في الصحراء فتسمو النفس وتختفي الاثرة ويبدو الايثار فيفرغ كل قصاري جهده في خدمة زملائه فاذا هدد الخطر قافلة من القوافل وعن لاحد افرادها سبيل النجاة تنكب عنها ولم يترك رفقاءه لينجو بنفسه واشد ما يهولك في الصحراء ان يقل الماء وربما دار بخلدك في مثل هذه الحال ان تستبقي لنفسك ما لديك منه ولكنك بدلا من هذا لا تلبث ان تجدك حاملا زجاجة الماء وهي اذا ذاك اثمن ما تملك تدور بها علي الرفاق تسال كل منهم هل يريد جرعة تسالهم غير ابه ولا مكترث كانما خيل اليك ان الماء موفور غزير فائض عن حاجتك تسالهم دون ان تفكر في سلامتك وهكذا يكون الايثار وتكون التضحية"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت