فهرس الكتاب

الصفحة 277 من 443

"وأيضا"فإنه أخبر أنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بكل ما يسمع. وهذا إخبار بأنه كلما يتكلم به فهو وحي يسمعه ليس هو شيئا تعلمه من الناس أو عرفه باستنباط، وهذه خاصة محمد صلى الله عليه وسلم، وأما المسيح فكان عنده علم بما جاء به موسى قبله يشاركه به أهل الكتاب تلقاه عمن قبله، ثم جاءه وحي خاص من الله فوق ما كان عنده قال تعالى: (وَيُعَلِمُهُ الكِتابَ والحِكمَةَ وَالتوراةَ وَالإِنجيل) فأخبر سبحانه أنه يعلمه التوراة التي تعلمها بنو إسرائيل، وزاده تعليم الإنجيل الذي اختص به، والكتاب الذي هو الكتابة ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم قبل الوحي شيئا البتة، كما قال تعالى: (وَكَذِلَك أَوحينا إِليكَ روحًا مِن أمرِنا ما كُنتَ تَدري ماالكِتابُ وَلا الإيمان) وقال تعالى: ( نَحنُ نَقُصُ عَليكَ أَحسنَ القَصصِ بِما أَوحينا إِليكَ هَذا القُرانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبلِهِ لَمِنَ الغافِلين) فلم يكن صلى الله عليه وسلم ينطق من تلقاء نفسه بل إنما كان ينطق بالوحي كما قال تعالى: (وَما يَنطِقُ عِنِ الهَوى إِن هُوَ إِلا وَحيٌ يوحى) أي ما نطقه إلا وحي يوحى، وهذا مطابق لقول المسيح إنه لا يتكلم من تلقاء نفسه بل إنما يتكلم بما يوحى إليه، والله تعالى أمره أن يبلغ ما أنزل إليه، وضمن له العصمة في تبليغ رسالاته، فلهذا اُرشد الناس إلى جميع الحق وألقى للناس ما لم يمكن غيره من الأنبياء ألقاه خوفا أن يقتله قومه، وقد أخبر المسيح بأنه لم يذكر لهم جميع ما عنده، وأنهم لا يطيقون حمله وهم معترفون بأنه كان يخاف منهم إذا أخبرهم بحقائق الأمور، ومحمد صلى الله عليه وسلم أيده الله سبحانه تأييدا لم يؤيده لغيره: فعصمه من الناس حتى لم يخف من شيء يقوله، وأعطاه من البيان والعلم ما لم يؤته غيرهس، وأيد أمته تأييدا أطاقت به حمل ما ألقاه إليهم، فلا يكونوا كأهل التوراة الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها، ولا كأهل الإنجيل الذين قال لهم المسيح:"إن لي كلاما كثيرا أريد أن أقوله لكم ولكن لا تستطيعون حمله": ولا ريب أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أكمل عقولا وأعظم إيمانا وأتم تصديقا وجهادا؛ ولهذا كانت علومهم وأعمالهم القلبية وإيمانهم أعظم، وكانت العبادات البدنية لغيرهم أعظم"وأيضا"فإنه أخبر عن الفارقليط إنه شهد له، وأنه يعلمهم كل شيء، وأنه يذكرهم كلما قال المسيح، ومعلوم أن هذا لا يكون إلا إذا شهد له شهادة يسمعها الناس لا يكون هذا في قلب طائفة قليلة، ولم يشهد أحد للمسيح شهادة سمعها عامة الناس غلا محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه أظهر أمر المسيح وشهد له بالحق حتى سمع شهادته له عامة أهل الأرض، وعلموا أنه صدق المسيح ونزهه عما افترته عليه اليهود وما غلت فيه النصارى، فهو الذي شهد له بالحق، ولهذا لما سمع النجاشي من الصحابة ما شهد به محمد صلى الله عليه وسلم للمسيح قال لهم بما زاد عيسى على ما قلتم هذا العود، وجعل الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم"شهداء على الناس"شهدوا عليهم بما علموا من الحق، إذ كانوا وسطا عدولا لا يشهدون بباطل، فإن الشاهد لا يكون إلا عدلا؛ بخلاف من جار في شهادته فزاد على الحق أو نقص منه كشهادة اليهود للنصارى في المسيح، و"ايضا"فإن معنى الفارقليط إن كان هو الحامد أو الحماد أو المحمودن أو الحمد فهذا الوصف ظاهر في محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه وأمته الحمادون الذين يحمدون الله على كل حال، وهو صاحب لواء الحمد، والحمد مفتاح خطبته ومفتاح صلاته، ولما كان حمادا سمى بمثل وصفه فهو محمد وزن مكرم ومعظم ومقدس، وهو الذي يحمد أكثر مما يحمد غيره ويستحق ذلك، فلما كان حمادا لله كان محمدا وفي شعر حسان:

إغرَّ عَلَيهِ لِلنُبوةِ خاتِمُ ... مِنَ اللَهِ مَيمونٌ يَلوحُ وَيَشهَدُ

وَضَمَ الإِلَهُ إِسمَ النَبي إِلى اِسمِهِ ... إِذا قالَ في الخَمسِ المُؤَذِنُ اِشهَد

وَشَقَ لَهُ مِن اِسمِهِ لِيُجِلَهُ ... فَذو العَرشِ مَحمودٌ وَهَذا مُحَمَدُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت