فهرس الكتاب

الصفحة 3831 من 4371

يقول داوود بركات رئيس صحيفة الأهرام في عصره: كانت الحادثة من الحوادث تقع صباحًا ، فلا يحل المساء حتي تذاع بين الجمهور بقصيدة شوقي ، لأنه كان للحوادث تأثير شديد فيه ، يهز أعصابه ويستثير نفسه ويحفز خياله . وكان أكثر ما ينظم الشعر وهو ماش أو واقف أو جالس إلي أصحابه ، يغيب عنهم بذهنه وفكره ، يجلس إلي مكتبه للتفكير وعصر الذهن ، فإذا جلس إلي المكتب فلتدوين ما يكون قد نظمه واستوعبه في ذاكرته فبين سيجارة وأخري يجد فكرته ، وبين كلمه وأخري يجد الظرف الموافق لهيكل الفكرة .

أنه ينظم بين أصحابه فيكون معهم وليس معهم ، وينظم في المركبة وفي السكة الحديدية وفي المجتمع الرسمي ، وحين يشاء وحيث يشاء ، ولا يعرف جليسه أنه ينظم إلا إذا سمع منه بادئ بدء غمغمة تشبه النغم الصادر من غور بعيد ، ثم رأي ناظريه وقد برقا وتواترت فيهما حركة المحجرين ثم بصر به وقد رفع يده إلي جبينه ، وأمرها عليه إمرارًا خفيفًا هنيهة بعد هنيهة ، فإذا قوطع في خلال النظم انتقل إلي أي حديث يباحث فيه ، حاضر الذهن صافية جميل البادرة كعادته في الحديث . ثم إذا استأنف ذلك المنظوم ولو بعد أيام طوال عاد إليه كأنه لم ينقطع عنه مستظهرًا ما تم منه ، حافظ لبقية المعني الذي يضمره ويكتب القصيدة بعد تمامها وربما نسيها شهرًا ثم ذكرها فكتبها في جلسة واحدة .

لم يكن شوقي يختار وقتًا معلومًا لنظم شعره فهو مستعد دائمًا لإقتبال ربة الشعر كي تنزل عليه بإلهامها ، لكن المعروف عنه أنه كثيرًا ما ينظم الشعر بعد قضاء سهراته في المطاعم والنوادي وقد يظل ينظم حتي منتصف الساعة الرابعة من الصباح ، وكأنه يسوي ليلًا ما صادته شباك ذاكرته نهارًا .

الفصل الرابع

من المعاني الوطنية

في شعر أحمد شوقي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت