أنا المسجدُ الأَقصى ! وهذي المرابعُ ... بقايا ! وذكرى ! والأَسى والفواجعُ
لقد كنتُ بين المؤمنين وديعةً ... على الدّهرِ ما هبّوا إِليَّ وسارعوا
يَضمُّون أَحناءً عليًّ وأعْيُنًا ... وتحرُسني مِنْهم سيوفٌ قواطعُ
زُحوفٌ مع الأَيامِ موصولةُ العُرا ... فترتجُّ من عزْم الزُّحوف المرابع
إِذا أعوزَ القومَ السلاحُ تواثُبوا ... تجودُ قُلوبٌ بالوفا وأضالعُ
وعَهْدٌ مع الله العليِّ يشدُّهُ ... يقينٌ بأنَّ المرءَ لله راجِعُ
وأنّ جِنانَ الخُلد بالحقّ تُجْتَلَى ... وبالدَّم تُجْلَى ساحةٌ ووقائِعُ
مواكبُ نورٍ يملأ الدهرَ زحْفُها ... فيُشرقُ منها غَيْهَبٌ ومطالِعُ
وتَنشُرُ في الدنيا رسالةَ ربِّها ... فَتُصغِيْ لها في الخافِقَين المسامعُ
وتنشُرُ أنداءً وتَسْكُبُ وابلًا ... فتخضّرُّ ساحاتٌ ذَوَتْ وبَلاقعُ
فما بالُ قومي اليوم غابُوا وَغُيِّبوا ... وما عادَ في الآفاقِ منهمْ طلائعُ
وما بال قومي بدَّلوا ساحَةَ الوغى ... فغابَتْ ميادينٌ لهم ومصانِعُ
وما بَالُهمْ تَاهوا عن الدرب،ويَحَهمْ ! ... فجالتْ بهم أهواؤهمْ و المطامعُ
فغابَ نداءٌ ما أجلَّ عَطاءَه ... تُردّدُهُ في كل أفقٍ مجامِعُ
وكانتْ ميادينُ الشّهادةِ ساحَهم ... فصارَ لَهُمْ ملءَ الدّيارِ مَرَاتعُ
وفي كلِّ يومٍ مَهْرَجَانٌ يَضُمُّني ... وتَنْدُبُني بين القصيد المدامِعُ
وكانت دماءُ المؤمنين غنيّةً ... تُصَبُّ وأرواحُ الشهودِ تدافِعُ
فأصبَحْتُ ، يا ويحي ،أَحاديثَ مَجْلسٍ ... وأدمعَ بكَّاءٍ حَوتْه المضاجِعُ
وكان يُدوّي في الميادين جولةٌ ... فصارَ يُدوّي بالشعاراتِ ذائعُ
وَكمْ كنْتُ أَرجو أن تكون دُموعُهمْ ... دِماءً تُرَوّى مِن غِناها البَلاقِعُ
أَيذْبَحُني أهُلي ويَبكونَ بَعْدَها ... عليَّ ؟ ! لقد سَاءتْ بذاك الصنائِعُ
فَكَمْ تاجرٍ أَلقى بِلَحْميَ سِلْعَةً ... وقَدْ عَزَّ في الأسواقِ منها البَضائِعُ
فهذا يُنادِي بالتجارة جَهْرَةً ... وذاك يُواريه شِعارٌ مخادِعُ