فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 436

عن محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح قال دخل ضرار بن ضمرة على معاوية فقال له يا ضرار صف لي علياً، فقال: أوتعفيني؟ قال: لا أعفيك فقال: ضرار كان والله بعيد المدى شديد القوى يقول فصلاً ويحكم عدلاً يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل وظلمته وكان غزير الدمعة طويل الفكرة يقلب كفه ويخاطب نفسه يعجبه من اللباس ما خشن ومن الطعام ما جشب كان والله كأحدنا يجيبنا إذا سألناه ويبتدئنا إذا لاقيناه يأتينا إذا دعوناه ونحن والله مع قربة منها دونوه إلينا لا نكلمه هيبة له ولا نبتدئه لعظمه إن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم يعظم أهل الدين ويحب المساكين لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه ليلة وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه وقد مثل قائماً في محرابه قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين وكأني أسمعه وهو يقول:

يا دنيا غري غيري أبي تعرضت أم إلي تشوقت هيهات هيهات قد أبنتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك فعمرك قصير وعيشك حقير وخطرك كثير آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق قال فذرفت دموع معاوية على خديه ولحيته فلم يملك ردها وهو ينشفها بكمه وقد اختنق القوم بالبكاء ثم قال معاوية: رحم الله أبا حسن فلقد كان والله كذلك فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ فقال: حزن من ذبح ولدها في حجرها فلا ترقأ عبرتها ولا يسكن حزنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت