والعيش فيها مذموم والرخاء فيها لا يدوم أهلها فيها أغراض مستهدفة كل جيفة فيها مقدور وحظ من نوائبها موفور وأنتم عباد الله على محجة من قد مضى وسبيل من كان ثم القضاء ممن كان أطول منكم أعماراً وأشد بطشاً وأعمر دياراً أصبحت أجسادهم بالية وديارهم خالية فيما استبدلوا بالقصور المشيدة والنمارق الموسدة بطون اللحود ومجاورة الدود في دار ساكنها مغرب ومحلها مقرب بين قوم مستوحشين متجاورون غير متزاورين لا يستأنسون بالعمران ولا يتواصلون تواصل الجيران على ما بينهم من قرب الجوار ودنو الدار وكيف يكون بينهم تواصل وقد طحنهم البلى وأظللتهم الجنادل والثرى فأصبحوا بعد الحياة أمواتاً وبعد نضارة العيش رفاتاً قد فجع بهم الأحباب وأسكنوا التراب، ظعنوا فليس لهم إياب وتمنوا الرجوع فيحل بينهم وبين ما يشتهون {كلا إنها كلمةٌ هو قائلها ومن ورائهم برزخٌ إلى يوم يبعثون} وقد أخرج أبو نعيم طرفاً من هذه الخطبة في كتابه المعروف بالحلية.