فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 611

درج بعض أهل العلم الأوائل على تأليف كتب تجمع في طيّاتها سير أئمة أعلام، فبعضها جعل الخيط الجامع لهؤلاء هو الصّلاح والتّقوى، وبعضهم جعل الخيط: هو الجهاد والشّجاعة والقتال، وبعضهم جعله الفقه والرأي، وبعضهم جعله الحديث والرّواية، وهكذا تنوّعت التّقاسيم في هذه السّير في عرض النّماذج القدوة في العصور المتأخّرة. وكان بعضهم (الرّواة) يبالغ في ذكر صفات هؤلاء الأعلام حتّى يخرج بهم عن حدّ الاعتدال البشريّ، فلو قرأ المتأخر في كتب طبقات الأصفياء والأولياء. كما في كتاب الإمام أبي نعيم الأصفهانيّ: "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء". نموذجًا من هؤلاء الأولياء لرأى فيها العجب العجاب، فهذا وليّ من الأولياء إذا دخل بيته فذكر الله تعالى سبّحت معه جدران بيته، وآنية المطبخ في بيته، وسبّح معه فراشه حتىّ يسمعها كلّ من حضر، وهذا وليّ آخر يرى بأمّ عينيه ذنوبه وهي تتساقط مع قطر ماء الوضوء، وهذا وليّ آخر يتورّع عن أكل ما حضر في السّوق، ويرفض أن يشتري منه ويأبى الأكل إلاّ من القفار والخلاء، وهذا وليّ لم يتزوّج، وآخر لا ينام، ووليّ لا يضحك، وغيره لا ينظر إلى السّماء وغيرها من الصّور الحادثة الّتي لا تعبّر أبدًا عن حقيقة هذا الدّين ولا عن واقعه الصّحيح، وقارئ هذه النّماذج يصاب بخيالاتٍ وأوهام تستقرّ في ذهنه عن النّموذج (الوليّ) ممّا يجعله: إمّا دائم السّعي للوصول إلى هذه المراتب، ولن يصل، وإمّا في يأسٍ مستقرّ في ذهنه أن يبلغ هذه المرتبة، والنّتيجة هي القعود وترك العمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت