بسم الله الرحمن الرحيم
هناك من الأعمال ما هي داخلة في أصل المسمّى وهي من أركانه (أي لا يصحّ المسمّى إلاّ بها) ، وهناك أعمال من واجباته، وهناك أعمال من مستحبّاته:
هذه قاعدة تسري على كلّ الكونيّات التي خلقها الله تعالى من أعمال وأشياء، وهي تدلّ على أنّ أفراد الشّيء أو العمل ليس على مرتبة واحدة، بل هي مراتب متعددة، ونحن في هذا الباب يخصّنا ما هو شرعيّ، مع أنّ الكونيّ مهمّ وضروريّ، وتجليته مهمّة من مهمّات التجديد التي يجب على المسلمين بحثها والنّظر فيها نظرة جديدة، أي أن تعيد الأمر على ما كان عليه وهو جديد في العصور الأولى، لأنّ تلك العصور هي عصور النّموذج المحتذى، والصّورة المثلى، (نبوّة وخلافة راشدة) لحركة المسلمين في الحياة، ولا بأس هنا في هذه العجالة أن نعرّج على ما هو كونيّ لبيان عظيم الفساد الذي دخل على أمّتنا من هذا الباب، ثمّ لبيان أنّ الفساد في فهم الكوني، هو فساد في فهم ما هو شرعيّ، سواء بسواء، والعكس صحيح، لأنّ ما هو كونيّ صادر من الشّرعيّ {ألا له الخلق والأمر} والتطابق بينهما حاصل لزومًا، لأنّهما من مصدر واحد، بل إنّ الشّرعيّ لم يعرف صوابه من ذوي العقول إلاّ بعد فهم المهتدي لما هو كونيّ، والمهتدي يدرك ويعقل ويعتقد أنّ للكون خالقًا وربًّا، وأنّ نواميس الكون والحياة هي من وضع قدير، قوي، قدّوس، ... {ولئن سألتهم من خلق السّماوات والأرض ليقولنّ الله} فقبل عرض الشّرعيّ من الأنبياء على أصحاب العقول، كان هؤلاء قد أدركوا الأمور الكونيّة على ما هي عليها، فلمّا جاءهم الشّرعيّ علموا أنّه الحقّ، والحقّ هو مطابقة الشّيء لحقيقة الواقع، أي أنّهم أدركوا أنّ باعث هذا (الشّرعي) هو واضع هذا (الكوني) : فشهدوا حينئذٍ شهادة الحقّ، ومن هنا فإنّ أولئك المهتدين من الصّدر الأوّل، هم أعظم النّاس فهمًا للكون والحياة ونواميسها (حسب رتبة زمانهم) ، وهم أعظم النّاس فهمًا للدّين