بسم الله الرحمن الرحيم
كثيرة هي المرّات التي يتخلّف النّاس فيها عن الحقِّ بسبب الهوى وشدّة تكاليف الثَّبات على الطريق، ولكن قليل هي الحالات التي يعترف فيها هذا المتخلّف بهذا السّبب، فإنّ المتخلّفين لابد لهم من ستر هذا الهوى وهذا الضّعف بصور من التبريرات التي يحاولون بها إقناع النّاس أنّ تخلّفهم له من الأسباب المقنعة والموضوعيّة، فأوّل ما يفعلونه يذهبون إلى الحق لشتمه وتزوير حقيقته، أو لتعظيم بعض الجوانب السلبيّة على الحقيقة الظّاهرة، والقرآن الكريم كشَفَ لنا هذه الأساليب خير كشف، وعرَّاها لنا لنكون على بصيرةٍ ونورٍ من هذه المكائد النفسيّة، وليُعلّمنا أنَّ محاولاتهم هذه مكشوفة غيرُ مستورة، وأنّها وإن تقنّعت بقناعٍ حاجب، فهو في الحقيقة قناع زائفٌ يشفُّ ما تحته، ويبيِّن ماوراءه لمن تمعّن فيه ولم تغرّه الصور الظّاهرة.
في قوله تعالى عن المنافقين في أول سورةٍ نقرؤها فيها ذكرهم: {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن النّاسُ قالوا أنؤمنُ كما آمن السفهاءُ ألا إنّهم هم السّفهاءُ ولكن لا يعلمون} .
هذه الآية عظيمةٌ في كشف النّفاق والمنافقين، وطريقتهم في التنفير من الحق، وهي كلّما سمعتُها أو قرأتُها تمثّل لي أولئك القومُ الّذين مرّوا على مدار التاريخ الإسلامي وإلى يومنا هذا في ادّعاء الفهم الثّاقب، والعقل الواسع، والإدراك العظيم للقضايا التي تُطرح أو تُعالج، وهم مع هذه الدعوى ينبزون الأثَريين والسّلفيين بضيق الأفق، وقلّة المعرفة، وسذاجة الفهم، وبسبب هذا ينفرون عن الحقّ بسبب سهولته، ويتعاظمون نفاقًا عن الحق بسبب أنّه حقّ عملي له تأثيره على الواقع.