بسم الله الرحمن الرحيم
المعارف الكونيّة (معارف الخلق والتّكوين) معارفٌ مشاعة وليست خاصّة لأهل الإسلام، وهي كذلك ليست محصورة ولا محجورة على أصحاب المعارف الشّرعيّة (العلوم الدّينيّة) ، بل قد غلب على هذه العلوم والمعارف الكونيّة غير أهل الإسلام منذ القديم، وقد شكى على الدّوام أهل العلم والذّكاء مِن ترك هذه العلوم لغير أهل الإسلام.
فقد شكى الإمام الشّافعيّ رحمه الله تعالى من إعراض أهل الإسلام عن أهمّ علمين على مدار التّاريخ الإنساني بعد علوم الدّين، وهما علم الطّبّ وعلم الحساب، فإنّه لا قوام لحياة البشر في دنياهم إلاّ بهذين العلمين (علم الأبدان، وعلم الحساب) قال حرملة: كان الشّافعيّ يتلهّف على ما ضيّع المسلمون من الطّب، ويقول: ضيّعوا ثلث العلم، ووكلوه إلى اليهود والنّصارى. [سير اعلام النّبلاء 10/ 58] ، وقال: من نظر في الحساب جزل رأيه. [السّابق 10/ 41] ، وقد انتشر في بلاد المسلمين الاهتمام الشّديد بعلوم الذّهن والتّقبيح والإعراض عن علوم اليد، وهو ميراثٌ أساء كثيرًا إلى البناء العلميّ للعقول في تاريخ أهل الإسلام المتأخّرين، وقد أصبغ المتكلّمون وخاصّة الأشاعرة على هذه المفاهيم صبغة شرعيّة ولعلّ من أعجب ما وقعوا فيه هو النّظر إلى العلوم الكونيّة والكلام عليها بطريقة الكلام على المعارف الأخرى حيث استعملوا فيها المنطق الأرسطيّ وقواعده التي سمّاها بالكليّات، وهي موازين لا تصلح لهذه المعارف، فإنّ المعارف الكونيّة لا تحصَّل إلاّ بطريق الحسّ والعقل، فالحسّ (ومنه التّجربة) لتحصيل المعارف الجزئيّة لهذه السّنن، والعقل لتعميم هذه المعارف لتحصِّل منها القواعد، فاستخدام الحس فقط دون اعتبار العقل للتّعميم عن طريق الاعتبار والقياس لا ينشيء قاعدة، واستخدام العقل في عموماته دون الحساب والتّجربة تنشئ أوهامًا أغلبها لا يوجد لها وقائع وحقائق كونيّة، ولذلك كان المتكلّمون (وعلى رأسهم