بسم الله الرحمن الرحيم
قال صلى الله عليه وسلم: (( إنّكم تختصمون لديّ ولعلّ بعضكم ألحن بحجّته من غيره فمن قضيتُ له بشيءٍ من حقّ أخيه فلا يأخذه إنّما أقطع له قطعة من النّار ) ).
اعلم يا عبد الله أنّ مبنى أعمال البشر وأفعالهم قائمة على الظّنّ وغلبته، وليست على اليقين والقطع، لأنّ أعمالهم قائمةٌ على االاجتهاد، و الاجتهادُ كما هو معروفٌ في كتب الأصول لا يفيد إلاّ الظّنّ، وقد تعبّدَنا الله تعالى بالاجتهاد - كما قال الشّافعيّ - مع أنّه غير مأمون الخطأ، ومن معوّقات الطّريق عند حسني النّيّة وطيّبي القلب أنّهم يتركون الأعمال مخافة الخطأ، وهذا منتهى السّلبيّة والعجز، فها أنت ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدّم بيّن احتمال وقوع الخطأ لعارض من العوارض، ولكنّ هذا لم يمنعه من القضاء وفضّ الخصومات بحسب الظّاهر والاجتهاد، بل إنّه صلى الله عليه وسلم اجتهد في أمور ثمّ ثبت أنّها على خلاف الصّواب كما اجتهد في أسارى بدرٍ من المشركين ثمّ نزل العتاب الالهيّ {لولا كتابٌ من الله سبق لمسّكم فيما أخذتم عذاب عظيم} [الأنفال] ، فقال صلى الله عليه وسلم: (( لو عذّبنا في هذا الأمر ما نجا غيرك يا عمر ) ) [الطّبريّ في تفسيره وهو في صحيح مسلم رحمه الله تعالى] ، والجهاد عمل من أعمال الإنسان المسلم، فهو يقارب ويسدّد ويبغي وجه الله تعالى، ويجتهد بحسب وِسعِه في إصابة الحقّ، فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر، لأنّ التّكليف لا يقع إلاّ بالظّنّ الغالب كما قال أهل الأصول، وقد نُقل عن الشّافعيّ رحمه الله تعالى قوله: في كلّ واقعةٍ ظاهر وإحاطة، ونحن ما كلّفنا بالإحاطة. [المحصول 6/ 34] ، فمن هذا الذي يستطيع أن يحيط بالأمر من جميع جوانبه؟!! ويعلم أصله وفصله وإيالته؟!! ولذلك يكفي المسلم أن يعمل بالظّاهر، والظّاهر يتوصّل إليه بالنّظر في الأمارة، والأمارة قد يدخلها العطب والتّشويش أو التّعظيم