بسم الله الرحمن الرحيم
من قرأ سيرة الصحابة رضي عنهم في حروبهم وجهادهم رأى بكلِّ وضوحٍ أنَّ جهادهم للمرتدِّين وخاصَّة قتال بني حنيفة أتباع مسيلمة كان من أشق الحروب وأتعبِها عليهم فقد جهِدوا فيها جهدًا عظيمًا، وقال أهل السيرة أنَّ عدد من قُتِل من المسلمين يقارب الألف، وعدد قتلى بني حنيفة (10) آلاف نفس، وكان عددٌ كبيرٌ من القتلى هم من حملة القرآن، وكانت هذه المقتَلة سببًا في إقبال الصديق رضي الله عنه على جمع القرآن، ثمَّ من نظر في مسيرة التاريخ الإسلامي رأى أن حروب المسلمين لطوائف الزَّندقة كانت من أشدِّ البلاء على المسلمين، أشدّ من قتالهم للكفار الأصليين، ولو تمعَّنا في سبب هذا الخصوص في قتال المرتدين لرأينا أن الأمر يرجع إلى سببن اثنين، وبفهمهما تدرِك جماعات التوحيد والجهاد أن ما هم عليه من أمر هو أمر خاص لا يقوى له إلاّ الرِّجال ولا يقوم له إلا من أخلص وجهه لله سبحانه وتعالى، هذان السببان هما:
1 -أن حُكم قتال المرتدِّين أشدُّ من حكم قتال الكفَّار الأصليين:
قال الغزالي في «فضائح الباطنية» (ص 95) : والقول الوجيز فيه أنه يُسلك بهم (أي الزنادقة الباطنية) مسلك المرتدِّين في النَّظر في الدم والمال والنِّكاح ونفوذ الأقضية وقضاء العبادات، أما الأرواح فلا يُسلك بهم مسلك الكافر الأصلي، إذ يتخيَّر الإمام في الكافر الأصلي بين أربع خصال: بين المن والفداء والإسترقان والقتل، ولا يتخيَّر في حق المرتد، بل لا سبيل إلى استرقاتهم ولا إلى قبول الجزية منهم ولا إلى المنِّ والفِداء، وإنما الواجب قتلهم وتطهير وجه الأرض منهم، هذا حكم الذي يُحكَم بكُفرهم من الباطنية، وليس يختص جواز قتلهم ولا وجوبه بحالة قتالهم، بل نغتالهم ونسفك دماءهم، فإنهم مهما اشتغلوا بالقتال جاز قتلهم. ا. هـ.