فهرس الكتاب

الصفحة 359 من 611

بسم الله الرحمن الرحيم

المقالة رقم: 65

تحت شمس الجهاد اللاهبة ظهرت حقائق الوجود، والإنسان من هذا الوجود، فتعرَّى الإنسان، وآب كل صنْفٍ إلى قسيمه، فعرف الناس أنفسهم، وعرف الناس إخوانهم وأعداءهم، ولم يكن ليظهر هذا كله إلا بسبب شمس الجهاد ونورها الكاشف.

غزوةُ الأحزاب كما عرضها أشرف الكلام وأعلاه - القرآن الكريم - كشَفَت الجزيرة العربية، وكشَفَت مجتمع المدينة النبوية، فليس هناك من رطوبةٍ خبيثة مخبَّأة، وليس هناك من أماكن مظلمةٍ تضرب الغربان فيها بأجنحتها، وتُغَمغِم البوم بنعيقها، وليس هناك مقادير للرجال قد شغلها غيرُ أصحابها، لا، بل عدَّلت غزوة الأحزاب الموازين، موازين الرجال، وموازين القوى.

أمَّا موازين الرجال ففي قوله سبحانه وتعالى: {من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدَّلوا تبديلًا} ، وفي قوله سبحانه وتعالى: {ويستأذن فريقٌ منهم النّبي ويقولون إنَّ بيوتنا عورة} ، وفي قوله: {وإذ يقولُ المنافقون والذين في قلوبهم مرضٌ ما وعَدَنا اللهُ ورسولهُ إلاّ غرورًا} .

فكان من القسم الأول شهيدٌ ووفيّ، منهم سعد بن معاذ رضي الله عنه، وهو من سعود الخير (سعد بن عبادة، سعد بن الربيع) من أنصار النبي صلى الله عليه وسلم، وكان سيدًا من سادات الأوس، رفعه الله فوق ما كان عليه من رفعةٍ في قومهِ، ورفع الله تعالى به الإسلام، وخَبَره في غزوةِ الأحزاب خبرٌ يملأُ الجوانحَ إعجابًا وحبًّا، فيها الصورة المثلى لرجل التّوحيد والجهاد، ففيها أصابه سهمٌ في أكحله من رمية رجلٍ مُشرك اسمه ابن العرقة، وقيل غير ذلك، ولما رماه قال:"خذها وأنا ابن العرقة"، فقال سعد:"عرّق الله وجهك في النّار"، فذُهِب به إلى داخل المدينة ليمرَّض، وكان من دعائه بعدما أصيب:"اللهم لا تمتني حتى تُقِرَّ عينيَّ في بني قريظة"، وبنو قريظة هم من ثلاثة قبائل يهوديةٍ في المدينة وهم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت