بسم الله الرحمن الرحيم
وعدنا أن نتكلّم في المقال السّابق عن صور أهل الرّأي الأرائتيين في هذا العصر، فإليك الوفاء:
من المهمّ أن تعلم أخي المجاهد أنّ هناك التفافًا يحصل من هؤلاء الآرائتيين حول كثير من حقائق أهل العلم المتقدّمين، ومن أهمّ هذه الحقائق التي يتمّ الالتفاف حولها في هذا الزّمان هي الحقيقة التّالية:
من المعلوم أن إصدار حكم شرعي ما لواقعة ما، لا ينبغي أن يتمّ إلاّ باستكمال شروط وأدوات علمية تؤهل المرء لخوض مثل هذا المعترك، وهذه الشّروط التي اصطلح سلفنا الصالح على تسميتها: بشروط الاجتهاد، ومع أنّ عصور الانحطاط المتأخّرة قد أفرزت بعض الأقوال الهزيلة في موضوع الاجتهاد، مثل قول بعض أهل العلم: بإغلاق باب الاجتهاد، وأنّه لا يجوز بعد القرن الرّابع لأحدً أن يقول قولًا من اجتهاده، بل لا بدّ أن ينسب نفسه إلى إمام سابق، كأن يقول عن نفسه أنّه حنفيّ أو شافعيّ أو مالكي أو حنبليّ ومن أجل هذه البدعة المبيرة صار بعضهم يشدد في شروط الاجتهاد، ويضع عوائق في طريق أهل العلم ليمنعهم من إطلاق قدراتهم لتحصيل الحكم الشّرعيّ من مظانّه، ولأن كلّ فعل يؤدي إلى فعل مضادٍّ يعاكسه، فإنّ النتيجة القدرية لهذا القول المخطئ هو ما حصل في بداية هذا العصر، وذلك عندما انطلق النّاس يبحثون في أنفسهم عن سبب انحطاطهم وتأخّرهم وهزيمتهم أمام أعدائهم، فكان ممّا اكتشفوه مبكّرا هو هذا الموضوع، فسارع النّاس بالنداء لتحرير العقل المسلم من أغلال التخلّف - ومنها إغلاق باب الاجتهاد - فتعالت الصّيحات من كلّ مكان تدعو إلى فتح هذا الباب، والولوج فيه بقوّة، وبدأ النّاس يمارسون اختيار الأحكام الشّرعية بأنفسهم من مصادرها، وحاول فريق آخر أن يحافظ على مكتسبات عصر الانحطاط وذلك بأن يمنع هذا الحادث الجديد، تحت دعوى أنّ اللامذهبية قنطرة إلى اللادينية، لأنهم رأوا أنّ الدّعوة إلى فتح باب الاجتهاد قد وافقت زمن انفلات