بسم الله الرحمن الرحيم
لأهل الهوى الأرائتية ضروب من التفنّن المنطقي في صرف حكم الله من إيقاعه على وجهه الصّحيح، فمرّة يدخل عليهم من باب الذّوق النّفسي فيجعلونه حاكمًا على الشّريعة، وهذا منتشرٌ بين كثير من النّاس حين يجابهون الحكم الشّرعي بعدمِ اطمئنانهم له، فيقول لك أحدهم: أنا لا أطمئنّ لهذا الحكم. أو قول بعضهم: إنّ نفسي لا ترتاح لهذا الرأي. وليت قائلًا هذا القول قد تضطلع بالسنّة، وتشربها حتّى ملأت عليه جوانحه ومشاشه، بل هو رجل لم يمرّ على السّنة إلاّ لمامًا، وأخذ منها حديثًا أو حديثين، ولم يقرأ القرآن قراءة دَرسٍ وفهم، بل هذًّا سريعا، فكيف لمثل هذا الرّجل أن يكون رأيُه قريبًا من السّنّة، أو يكون مزاجه قريبًا من الحقّ؟!!، وللذِّكر فإنّ مَن جعل ذوقه حاكمًا على الشّريعة يحسِّن ويقبّح من جهة نفسه وهواه فهو كافر زنديق، فليحذر المرء من هذا الباب فإنّه من باب القول على الله تعالى بلا علم، وهو أعلى مرتبته من الشّرك كما قال تعالى: {قل إنّما حرّم ربّي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزّل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [الأعراف] ، فانظر حفظك الله تعالى إلى ذكر مراتب المعصية وكيف رتّب الله درجتها حيث جعل أعلى المعاصي هي القول على الله بلا علم - نعوذ بالله من الخذلان - ولشيخ الإسلام رحمه الله تعالى كلام طيّبٌ في بداية كتابه الإستقامة فارجع إليه فانّه مهم.
وقد قلنا سابقا إنّ من صوارف الشيطان الظنّية في إبعاد النّاس عن الحكم الشّرعي هذه الأيّام ما يسمّى بالتحليل السّياسي، وهو باب غريب وللنّاس فيه مذاهب وطرق تحار فيها حينا وتعجب منها حينا، وقبل أن أبيّن معارضة هذا الظّني لقواعد الأصول فإني سأمرّ مرورًا سريعا في تحديد بدايات هذا المأخذ الشّيطاني في محاولة منّي لكشف مصدره.