فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 611

والتّشريع (حسب جميع الأزمنة) . وهذا الفارق الذي أحسّه بين من أخذ بالشّرعيّ في الصّدر الأوّل، وبين المتدينين في هذا الزّمان المتأخّر، فالأوائل اهتدوا هداية صحيحة، حيث علموا الحقّ في الأمرين (على ما هما عليه) - الكونيّ والشّرعيّ - فسارت خطاهم سليمة، سديدة، مهتدية، ووصلوا إلى قيادة الدّنيا والدّين، وأمّا الأواخر فممّا أحسّ به وأشعره، هو أنّ أغلب المتديّنين في هذا الزّمان تديّنهم تديّن غنوصيّ عرفانيّ، وبمعنى أوضح تديّن الهارب من الحياة، المنكر لسننها، تديّن المتوهّم بأنّ حركة الوجود مربوطة بحركة الغيب كارتباط ألعاب الدّمى بحبال حرّكَتْها، ولا دور للإرادة البشريّة فيها، ومن معالم هذه النّكسات العقليّة عند المتأخّرين هو نفيهم ارتباط الأسباب بالنّتائج، فحيث ساروا في طريق ما ثمّ وصلوا إلى غير المطلوب والمراد، عادوا لهذه القاعدة الخبيثة ليبرّروا بها فشلهم الذّريع وسقوطهم المريع، حتّى يصرفوا عن أنفسهم مساءلة القواعد التّابعة لهم، والغريب من هؤلاء أنّهم يردّدون ليل نهار أنّ المؤمن عنده أمر زائد عن الأخذ بالسّنة الصّحيحة، وهو التّوفيق الإلهيّ، فالكافر يأخذ بالسّنن دون التّوفيق، ومع ذلك يصل للنّتائج المرجوّة، والمسلم (هكذا يتوهّم نفسه) أنّه أخذ بالسّنّة+ التّوفيق، ومع ذلك لا يحصل على شيءٍ من النّتائج الكونيّة ، وأنا هنا لا أتكلّم عن الأجر الغيبيّ، ولكنّي أخصّص الحديث عن النّتائج السننيّة المطلوبة للحركة الإسلاميّة وللعاملين للإسلام في هذه الحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت