هذا كلّه من كرم الله تعالى، ويذهب هذا الفضل، ويقلّ أثره، بل يصبح من الإهانة والخيانة أن ينتكس المرء، فبدل أن يدلّ على الله وشرعه يصبح دالاّ على نفسه وهواه، وبدل أن يعظّم الرّب ويشير إليه مرغّبًا فيه، يصبح من جماعة: اعرفوني، وقصّة"اعرفوني"هذه قصّة طريفة، فقد ذكر أبو عبد الرّحمن السّلمي في تفسيره أنّ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه دخل المسجد يومًا فوجد رجلًا قاصًّا، يحدّث النّاس بالغرائب. فقال له عليّ رضي الله عنه:"ما اسمك؟"، فانتسب الرّجل وذكر اسمه، فقال عليّ رضي الله عنه:"بل أنت من قوم اعرفوني اعرفوني". أي أنّه من قوم يدعون إلى أنفسهم لا إلى الله، فمن الخيانة العظمى أن يسخّر هذا العبد منبر الدّعوة وبيان شرعه إلى منبرٍ يدعو لشخصه وهواه، فيدافع عن نفسه، ويردّ على كلام الخصوم، ثمّ من الخيانة أيضا أن يفسد هذا الدّاعي مزاج النّاس، وإفساده لهم هو أن يعاملهم بمرتبة الأغبياء، وهم الذين لا يقرؤون الكلمات، ولكنهم يحاولون الحذلقة واصطناع الذّكاء، فيمارسون القراءة بين السّطور بنفسيّة الخصم المتلاعب، وهم كما قيل:"المس مس أرنب، والطّبع طبع ثعلب"، فحين يكتب المرء لهؤلاء فيضيّع وقته في الشّروح المملّة، أو في بيان ما لا ضرورة لبيانه، حينئذٍ يكون هذا الدّاعي خائنًا للأمانة، ولم يقم بها حقّ القيام، وأكره أن أكونهم.
والداعي إلى الله لا بدّ أن يبتلى دائمًا بصنفين:
أولاهما: أهل الغباوة والبلادة.
وثانيهما: الخصوم والأعداء.