أهل الحديث في الفقه هم مقابل أهل الرّأي والظّاهريّة. وأهل الرأي على درجات متفاوتة في بعدهم عن الحديث وهديه، والظاهريّة كذلك. فأهل الرّأي عمدوا إلى بعض النّصوص التي صحّت لديهم، أو إلى بعض القواعد التي تكوّنت من مجموعة نصوص متساوقة المراد، فجعلوها أصلًا ومنهجًا ليردّوا عامّة النّصوص الأخرى عليها: وسأضرب على ذلك مثلًا تاريخيًا لأهل الرأي ومثلًا معاصرًا، ليتبيّن لنا الطّريقة التي يتعامل معها الرّأي في ردّ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
المثل التّاريخي: استقرّ لدى أهل الرأي أنّ الإسلام جاء لتعظيم البشر عن بقيّة المخلوقات، فالإنسان أعظم من الحيوان مهما زادت منفعة الحيوان وقيمته، وهي قاعدة صحيحة في مثل هذا الطّرح، وقد جاء الحديث أنّ الغنيمة تقسّم بين الرّاجل والرّاكب كالتّالي: أنّ الرّاجل له سهم، والراكب له ثلاثة أسهم، وهي قسمة تدلّ في الظّاهر على أنّ فارق السّهمين هي للحصان، جاء أهل الرأي وردوا هذا الحديث لمخالفته قواعد الشّريعة حسب ظنّهم، وقالوا: هذه قسمة غير صحيحة، فأقلّ ما ينبغي للراكب هو سهمين لأنّه لا ينبغي أن يعطى الحصان أكثر من الإنسان، ونحن هنا لا نريد أن نناقش هذا القول من وجهة نظر قياسيّة عقليّة لأنّه متهافت من جهتها، لكن يكفي أن يقال أن هذا قياس على خلاف النّص فلا يلتفت إليه.
فالحق أن الأمثلة في هذا الباب كثيرة ومتفاوتة في تعاملها مع الحديث والسنّة، ونحن لا نشير هنا إلى طائفة معيّنة كأن يقول قائل: أنّ الكاتب يقصد مذهب الحنفيّة حين يقول: أهل الرأي، فهذا خطأ، مع أنّ الحنفيّة بمناهجهم صاروا علمًا على هذا المصطلح، وهم بحقّ كذلك، لكنّ غيرهم كان له نصيب من هذا الاسم، فبعض المالكية يردّون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنّه على خلاف مذهب أهل المدينة، وهذا كلّه هو إعمال للرّأي مقابل النّص.