فهرس الكتاب

الصفحة 267 من 611

كان السّجن وعاءً تشكّل لونه بلون الدّاخل فيه، فبعضهم انتكس ووقع، وهؤلاء على الأغلب قلّة لا يؤبه لها، ولكنّ الأغلب خرج من السّجن وهو يحمل ذكريات الألم والعذاب، وخرج ليكتب للنّاس مذكّرات كربلائيّة مليئة بالبكاء والنّواح، حاول كلّ واصف فيها أن يستدرّ عواطف القرّاء نحوه، وأن يكسب شفقتهم عليه، ووُجد ههنا أدب في داخل المكتبة الإسلاميّة يمثّل هذا النّوع من الفنون، من البكاء والنّواح الكربلائي، وكان القصد من هذا هو تعليق النياشين (الأوسمة) على الصّدور بأنّ هذا قد عذّب وضرب، ولم يخرج وإلى الآن من هذا الصفّ المبتلى دراسة أو دراسات تكون زادًا للجيل القادم من هذه التّجربة، فالسجن بلاء: إمّا أن يكسّر، أو يعصر، أو يثمر فيخرج صاحبه منه منقّى من كلّ الشّوائب، شوائب الأفكار، وشوائب النّفس، فتترقّى مدارك المرء، وتنصقل نفسه في تطوّرها وتربيتها، فالسّجن لا يمدح إلاّ بمقدار استفادة المرء منه، لا من حيث هو في نفسه ممدوحًا مرغوبًا، فقد ينتكس المرء فيه، وقد يخرج منه كما دخل جهلًا وعماءً وسوء خلق، وقد يرتقي فيه، وكلّ هذا بحسب المرء ونظره إلى ما تمرّ به الحياة من مظاهر وظواهر، فليس السّجن مرتبة مدحيّة، ولا هو بالذي يطلبه المرء ليكون الأفضل بين أقاربه، ولكن ينظر إلى مقدار اكتساب المرء من هذه التّجربة.

جرى بعض الباحثين على تسمية السّجن بالمدرسة اليوسفيّة - نسبة ليوسف عليه السّلام - والحقّ أنّ القرآن لم يحك لنا شيئًا عن أهميّة السّجن ليوسف عليه السّلام، ولم يذكر لنا شيئًا عن أثر هذه المدرسة - إن كانت مدرسة - على يوسف عليه السّلام، بل الذي اهتمّ به القرآن هو:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت