والمتشابه ههنا ليس ما يذكر في كتب الأصول، ولكن شيء تختلف درجته في عدم دلالته على المراد في نفسه، فمنه ما يحتمل أكثر من معنى، ومنه مما لا يعلم حقيقته - لا تفسيره - إلاّ الله وليس هذا موطن تفصيل ذلك. لكنّ أهل البدع يتركون ما لا يفهم منه إلاّ مراد المتكلّم إلى ما يحتمل عدّة معاني (حيث وضع ابتلاء للنّاس وهو ما تنكره الظّاهريّة) ، ولكنّ هذا المتشابه لم يترك للنّاس من غير بيان فلا بدّ من ردّه إمّا إلى المحكم أو إلى خاصِّه، فيأتي أهل البدع إلى هذا المتردّد إلى معنيين أو أكثر فيصرفه إلى ما يريده هواه، فأولئك هم طالبوا الفتنة، والواقعون فيها.
مدرسة كفّ الأيدي أتت بالعجيب من القول:
1 -أسندت حقّ تفسير الكتاب والسنّة للواقع والتّاريخ (وهو الحكم القَدَريّ) ولم ترجع حقّ التّأويل إلى اللسان العربي، بل احتقرت اللسان العربيّ كما تقدّم من كلام جودت سعيد، وهذا الذي قالته هذه المدرسة باطنيّة جديدة، فلو قال طبيب كافر إنّ بعض الخمر قد ثبت أنّه يشفي بعض الأسقام، وثبت هذا بحكم التّجربة والواقع، وسيرورة التّاريخ لوجب علينا أن نجيز القليل من الخمر ولا نلتفت لما فهم أهل البيان من كلام ربّ العالمين.
2 -يؤدّي هذا الأمر في هذه المدرسة إلى تفسير النّصوص تفسيرًا جديدًا، ويجعل للألفاظ العربيّة التي تكلّم الله بها في القرآن معان جديدة لم يعرفها الأوائل، ممّا يلتقي هذا الأمر مع أهل الحداثة الجدد - أو الزّنادقة الجدد - . وهذا التّجديد ستفرضه اكتشافات النّاس للواقع والتّاريخ كما يزعم هذا التّيّار...
أعتذر لانشغالي عمّا وعدت به في تفسير الآية كما هي في نفسها عند أهل العربيّة، لكنّ هذه المقدّمة كان لا بدّ منها.
وللحديث بقيّة إن شاء الله.