إنّ المقارنة بين الشّريعتين - شريعة الأوائل وشريعة محمّد صلى الله عليه وسلم - مهمّة من مهمّات القرآن الكريم، لأنّ فيها منّ الله تعالى على عباده في أمّة محمّد صلى الله عليه وسلم بأنّه لم يشرّع لهم إلاّ الأفضل، ولم يعطهم إلاّ خير ما عنده سبحانه وتعالى في علاه، فالأوائل استؤمنوا على كتبهم فخانوها وبدّلوها، فدلّ هذا التّبديل والتّحريف أنّ النّاس لن يكونوا أوفياء لكتبهم، فمنّ الله تعالى هذه الأمّة بأن نزع منها حقّ الحفاظ على الكتاب وألزم الربّ - جلّ في علاه - نفسه بأن يحفظه {إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون} وكان الأوائل يقتلون أنبياءهم، فعصم الله نبيّ هذه الأمّة من أعدائه {والله يعصمك من النّاس} ومسيرة الأنبياء مع أقوامهم دلّت أنّ كلّ نبيّ أتى إنّما أعطاه الله سبحانه وتعالى ما ظهر لمن قبله أنّ محتاج إليه، ولو تفرّغ بعض طلبة العلم ليرى تطوّر منهج الأنبياء في الدّعوة لرأى العجب العجاب، ومع أنّ هذا التّطوّر شرعي وربانيّ، أي أنّه وضع إلهيّ، ولكن مع توقيفه إلاّ أنّ الله سبحانه وتعالى كان يعلّم عباده فوائد ما فرض عليهم من تطوّر جديد من خلال تجربة النّبيّ السّابق، لتظهر حكمة الله تعالى في التّشريع الجديد، وليشعر النّبيّ وأتباعه أنّ هذا الفارق كان له مايبرّره من حكمة الله تعالى، وهذا كلّه من رحمة الله تعالى بعباده.