صلى الله عليه وسلم هونًا من الليل، ثمَّ التفت إلينا، فقال مثله، فسكت القوم، وما قام منّا رجل، ثم صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم هونًا من الليل، ثم التفت إلينا، فقال: (( هل من رجل يقوم فينظر ما فعل القوم على أن يكون رفيقي في الجنة ) )، فما قام رجل من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد"."
{وتظنون بالله الظنونا} : فالمنافقون ظنّوا بربّهم شرًّا، وبالإسلام بهتانًا، إذ أنّهم قالوا: {ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا} ، يقولون:"يعدنا محمد فتح قصور الشام وفارس وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله، هذا والله غرور"، وها هم اليوم يقولون: كيف لنا مع ضعفنا وقلة حيلتنا، وهواننا على الناس أن نعيد دولة الإسلام؟ وكيف لنا ونحن لا نستطيع أن نعبد الله تعالى آمنين أن ينقلب حالنا إلى حالٍ تخشانا فيه قوى الكفر والشّرك في مشرق الأرض ومغاربها؟. لكنّنا نقول: إنّها الوعود الإلهية، إن أخطأَتْنا نحن فهي واقعة لا شك فيمن ثبت على الطريق، وواصل المسير، ولم تُضعفه الأيّام والشّهور، بل ازداد ثباتًا ويقينًا، وما شدة الصعوبات إلا دليلٌ على صواب الطريق، وإذا كان طريق الجهاد وهو طريق الدّم والخطفِ والسجن، فإنّه كذلك طريق العزّة والنّجاح، وإذا كانت الطّرُق الأخرى هي طرُق السّهولة والمناصب، فإن نهايتها هي الذلّة والخِزْيُ والشّنار. وطائفة منهم قالت: يا أهل يثرب لا مقام لكم على الإسلام فارجعوا، أو لا مقام لكم في القتال فهزيمَتكم محقّقة، فارجعوا إلى منازلكم، وبدأوا يستأذنون رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهروب وترك المواجهة يقولون: {إن بيوتنا عورة} أي مكشوفةُ الجانب، لا نستطيع منعَ الدّاخل إليها، فكذّبهم الله تعالى قائلا: {وما هي بعورة إن يريدون إلاّ فرارًا} ، وهكذا النّفوس المريضة، والقلوب الخاوية من الإيمان، تبحث لها عن الحجج الواهيةِ الضعيفة لترك المواجهة، ولعل هؤلاء يبحثون عن الحجج الأصولية في إسقاط فريضة الجهاد تحت دعوى