فهرس الكتاب

الصفحة 526 من 611

عندما كان الصّحابة رضي الله عنهم يأتون إلى الرّسول الله صلى الله عليه وسلم وهم في أشدِّ حالات العذابِ والفتنةِ وهم في مكّة، ويشكون له هوانهم على النّاس، وألم العذاب وضيق الحياة، فهم في هذه الحالة وهم في شدّة من أمرهم، وضيق بدنيٍ ونفسيٍ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع أعينهم وهممهم ونظرتهم إلى غاياتٍ لا يحلمُ بها الإنسان في هذا الموطن، ولا يتفكّر بها، فالموشك على الموت من الجوع لا يرجو أطايب الطّعام ولا أجوده ولا أرفعه و أعلاه ولكنّه يحلم بقِطعةِ خبزٍ، أو بكسرةٍ جافةٍ، فهذا منتهى أمله وغاية مطلبه، ولكنّ المؤمن يتعامل مع الله تعالى، فهو مدعوّ إلى أن يرفع همّته، ولذلك كان جوابُ النّبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه رضي الله عنهم وهم في مكّة وهم يشكون شدّة العذاب فوق ما يحلمون ويرجون: (( والله لتسيرنّ الظعينة من صنعاء إلى حضرموت لا تخشى إلا الله والذئب على غنمها ولكنّكم تستعجلون ) )، ويقول لهم في موطن آخر: (( والله لتفتحنّ كسرى وقيصر ولتنفقنّ أموالهما في سبيل الله ) )، كما وقع من قوله صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق، فالصّحابة رضي الله عنهم مشغولون بالحفاظ على أنفسهم لئلاّ تهلك وعلى أعراضهم لئلاّ تُسبى وتُنتهك ومع ذلك فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يُبشّرهم بفتح كسرى وقيصر.

وهذا أمرٌ فيه الامتحان للنّفوس والعقول فإنّ من في دينه شكّ وريبة فإنّه سيقول: {غرّ هؤلاء دينهم} ، لأنّه حينئذٍ ينظر إلى قوّته ويتعامل مع هذا الدّين من خلال نفسه لا من خلال واضعه ربّ العزّة والجلال، وأمّا المؤمن فهو الموقن بموعود الله تعالى ويرقُبه أيقع عليه أم أنّ الشّهادة ستكونُ أقرب إليه من الوعد الإلهيّ؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت