إنتاجه، ثم ما تبعه، ثم ثالث كتاب أخرجه، وهكذا. . . وبهذا فقط يتاح لنا أن نعرف تأثير الحياة والتجارب في تطور شخصية الكاتب: كيف شق لنفسه طريقًا إلى فلسفته؟ وكيف خلص إلى آرائه عن مشكلات الكون؟ هل ابتلته الحياة بالفتور واليأس؟ هل شك في عدالة الكون وعاف الحياة؟ أم هل انجلت عن ناظريه عمايات الصبا وغواياته ودعا إلى الحياة الفاضلة مؤمنًا بالله مبررًا سلوكه مع الإنسان؟ هل بقي ساخرًا لا يعرف لنفسه فلسفة ولا يخلص إلى عقيدة حتى ذهب في طريق من ذهب؟ وما أثر ظروف حياته من فقر وغنى وصحة ومرض في نفسه؟ هل تغلب عليها واحتفظ بنضارة قلبه وسلامة روحه؟ أم تركها تتسرب إلى أدبه وتكسبه لونها الخاص؟ هل تأثر بروح عصره وجارى سلفه ومعاصريه أم أثر هو في روح العصر ووجه الأدب في طرق جديدة وتناول بالنقد والتفنيد ما استهجنه ودعا إلى مثل جديدة؟ وما أسباب كل هذه المسائل ودواعيها. . .؟ هذه كلها موضوعات يهتم بها القارئ الحصيف، ولكن لا يمكنه أن يكون رأيًا عادلًا عنها إلا إذا قرأ بنظام. بهذا فقط يتأتى لنا دراسة الحياة نفسها دراسة شاملة تفهمنا روحها وطبيعتها وفلسفتها. إن التفكير المجرد قلما يخلص بالمرء إلى نتائج سليمة، وعلماء النفس في الوقت الحاضر يدرسون مخلفات الأدباء بهذه الطريقة التي أسلفنا ويكونون نظرياتهم على هدى تلك الكتب، ذلك لأنها تنبع من صميم الحياة الواقعية، والحياة أعمق وأشمل من أن يحكم المرء عليها وليس وراءه إلا تجاربه؛ والفلسفة قلما تسعف الإنسان بعقيدة تغير حياته وتجملها، بل هي غالبًا تبتليه بضروب الشك في قيمة الحياة والحيرة في معناها. ولكن الأدب وحده ينبع من أعماق الحياة ويصور ما نعانيه ونحسه من آلام وآمال، وهو الصورة الحقيقة الصادقة للحياة كما هي. بعكس الفلسفة فهي سياحات (فكرية) في عالم المجهول، وما من مذهب فلسفي إلا ومذهب آخر يناقضه، وكل له دعائمه وبراهينه؛ فلا عجب إذًا أن يترك علماء النفس كتب الفلسفة إلى الأدب يهتدون بهديه في تكوين نظرياتهم
4 -العامل الرابع هو المقارنة: كيف يمكننا بعد ذلك أن نقدر الأديب تقديرًا صادقًا ونصدر حكمنا له أو عليه؟ لا يمكننا أن نفعل ذلك إلا إذا درسنا معاصريه وتبيننا أين يتفق معهم وأين يختلف عنهم، لأن ظروف الحياة التي أثرت فيهم واحدة لأنهم أبناء عصر واحد، ولكنها أثرت فيهم تأثيرًا مختلفًا، وسبب هذا الاختلاف هو تباين طبائعهم ومشاربهم،