استراح المرء إلى الثقافة وجد فيها عزاء، ورحب صدره ولبه بقدر اتساع الحق في نظره، ولم يحزنه اختلاف أوجه الحق، ولم يضله إلا في ساعات كلل الذهن أو ساعات الخوف أو التعب أو السقم والتشاؤم الذي يتهيأ في هذه الحالات أو في مثلها. على أن مذهب من ينكر الحق بسبب اختلاف مظاهره هو أيضًا من الوسائل التي تستقيم بها الحياة وتستفيد منها، فالحياة تتخذ من كل مذهب وسيلة وتقبل نفعه وتدفع ضره، وبمذهب من ينكر الحق لاختلاف مظاهره تستطيع الحياة أن تداوي نقيضه وهو مذهب المتعصب لجانب واحد من جوانب الحق. وإن المفكر ليرى في العقل البشري على العموم خصيصة تمكنه في بعض حالاته من قبول أي رأي أو معتقد سواء أكان قريبًا أم بعيدًا، متزنًا أم غير متزن، جليلًا أم غير جليل. وهذه الخصيصة قد تدعو إلى الباطل، ولكن من الثقافة ألا ييأس المفكر من أجلها لأنها دليل على أن العقل البشري قادر على أن يرى كل جانب من جوانب الحق في الأمور في أثناء التخبط في جوانب الباطل منها. وما دام الرأي لا يصير عادة أو قيدًا وسجنًا أو ألفاظًا ميتة مستحبة أو شيئًا لا يصح الرجوع عنه بطريق الثقافة، فالأمل معقود في التخبط والتهدي حتى ولو قبل العقل البشري من الآراء في بعض الأماكن والأزمنة والحالات ما قبلته عقول زنوج الغابات ونفوسها وما قبلته عقول القبائل البشرية من آراء رهيبة يصف أمثالها السير جيمس فريزر وسجموند فرويد. وأشد منها رهبة وخطرًا على العقول البشرية أن يحرم محرم في أرقى الدول الحديثة حضارة وفكرًا على العقل البشري أن يفكر إلا فيما تسمح بالتفكير في تلك الدول، لان الأمل معقود بتخبط الفكر البشري وتهديه ما دامت الثقافة رائدة، وما دام الرجل المثقف يفسح صدره لرأي خصومه، لان كل جانب من جوانب الحق قد يتصل بجانب من جوانب الباطل، إذ بينهما تقارب وتناسب؛ فالرغبة في بلوغ الكمال وولوع الفكر به وبتحقيقه مما يوطد سبل التقدم، ولكنها أمور قد تدفع إما إلى اليأس إذا فشلت، وإما إلى الإجرام في أثناء محاولة تنفيذ أغراضها، فتكون داعية إلى الحق من ناحية. وإلى الباطل من ناحية أخرى، وكذلك الرأي القائل بإنكار استطاعة رقي الإنسانية وكما لها قد يؤدي إلى الحق الذي في جانب الاتزان والتؤدة والمحافظة على الحق المستطاع بدل لفظه في سبيل الحق المنشود. ولكنه قد يؤدي من ناحية أخرى إلى الأثرة وتبرير الفساد الموجود لأنه موجود في وجود أنكر هذا الرأي