تخلو من جماعات أهلية وحكومية، تنظم الخير، وترعى المعوزين، وتعلم صغارهم تعليمًا إلزاميًا وصناعيًا بالمجان؛ وذكرت لها في غير تبجح، أن قلوب أهل هذه الربوع الوادعة لا تزال محتفظة بغرارة الفطرة السمحة المتآخية هي منازل للرحمة ومواطن للسخاء. ثم سألتني عن التسول وعما إذا كان مباحًا، فَوجْمتُ وقد أسرع إلينا أصحاب الأجسام المشوهة، والعيون الذابلة القذرة، والثياب الرثة المهلهلة. وأشهد الحق أني ما كدت أراهم حتى ذبت خجلًا، إذ كانت العربة قد وقفت بنا في تلك اللحظة أمام معبد الأقصر الأزليّ، القائم على شاطئ النيل في أجمل أحياء المدينة وأغناها؛ وغضضت بصري وخشيت أن أرفعه نحو صاحبتي وهي لا ترى تجاه العظمة الماثلة أمام أعيننا، سوى تلك الأيدي الممتدة بذل السؤال لتنقض ما شاهده القوم من مكرمات. ولو كنتُ من أرباب السيادة والسلطان لاتخذتُ كل الطرق كل الطرق الفعالة للقضاء على التكفف، ولكن قلة عدتي تضيق على دائرة نفوذي، وإن كانت لا تمنعني التوجه إلى أولي الشأن بإلحاحي أن تعزز القوات لمعاونة أولئك الشحاذين المساكين، فإنا لو ذكرنا أن رقيّ المجموع إنما يحسب بقدر تعدد مطالب الفرد، لرأينا أننا أبعد الأمم عن الرقي الصحيح. ولا ينتشر التسول في محيط إلا كان دليلًا على أثرة الأقوياء الأثرياء، ومقياسًا لخسة مطالب الفقراء التي لا تتعدى ما تجدّ العجماوات في طلابه لسدّ الرمَق. وإنها لإحدى الكبر أن يسجل أهل بلدي العطوفون الأسخياء على ذواتهم ما تستتبعه غفلة إهمالهم، وهذه طلائعه تظهر في الجهة الواحدة بؤسًا وفناء وتقلصًا وتهديمًا، وفي الجهة الأخرى نموًا وازدهارًا وانبساطًا في رحاب النعم، فلا يَكْمل سناء هذا إلا باستكمال تضاؤل تلك
ثراء وبؤس كيف يلتقيان؟ ... مقيلاهما في القلب مختلفان
فليسمحوا لي أن أنبههم إلى تدارك هذا الأمر الخطير، وليعلموا أني بإلحاحي في وجوب السهر على منع الشحاذين من الانتشار في أحياء المدينة لا أبغي أن يحرموا عطفًا يخولهم إياه بؤسهم. وبأي حق يحرمونه والأزمة عضود، والأيام جديبة، وأولئك المفلوكون أحوج للعون وأجدر بالمساعدة؟ ولكني أرجو أن يتوسلوا إلى ذلك برشاد الرأي واستخدامه لوضع كل شيء في موضعه. وليعلموا أن خير وجوه الإحسان زيادة البذل من المال في سبيل تخفيف الألم العام وتنمية روح الحق والصلاح والتهذيب، وتوجيه النفوس إلى حياة العزة