المتحف المصري بما كان يشعر به النفوس منذ آلاف السنين من التنسيق والجمال والجلال.
أما أن ننتقل من مصابيح النفط والشمع إلى الكهرباء، ومن الخيل والحمير إلى القطار، ومن القطار إلى السيارة - أما أن تعلونا طائرة ونسمع في مصر أُوبرا من فينا وموسيقى من باريس، أما أن نرى قريبًا ونحن في القاهرة شقيقًا بالإسكندرية أو بأقاصي الصعيد فإن هذا يدعو إلى الدهشة ويدفع بنا للتأمل
هذه الخطوات وغيرها نتيجة للعلوم الطبيعية التي بدأت في الماضي عهدًا مجيدًا باكتشاف النار، وفي الحاضر عهدًا جديدًا باكتشاف تهدم المادة وتحولها إلى طاقة أو إشعاع
وإنما نوهت بهذين الأمرين: اكتشاف النار قديمًا، وتهدم المادة وتحول العناصر بعضها إلى بعض حديثًا، لأني أريد أن ألفت النظر إلى أن اكتشاف بكارل في سنة 1896 لخواص الإيرانيوم الإشعاعية، واكتشاف مدام كوري وقرينها بيير كيري في سنة 1898 لخواص الراديوم، يعدان اليوم في التفكير الحديث خطوة لها من الأهمية بالنسبة للإنسان القادم ما لاكتشاف النار للإنسان الأول ومعرفته لاستعمالها.
وعندما يتاح للبشر الانتفاع أكثر مما ينتفع اليوم بالظواهر الجديدة الخاصة بتهدم المادة يتغير استعمالنا للأشياء، فلا يقتصر استعمالنا للخشب أو الحديد على صنع المقاعد أو بناء القناطر بل يتعدى ذلك بكثير، وعندئذ يظل اسما بكارل وكوري على رأس العهد الجديد مثلًا أعلى في أقصى ما وصل إليه الإنسان في المعرفة.
هذه المقدمة تبين للقارئ شيئًا عن اتجاه الكلمات التي تتفضل الرسالة بنشرها لي في هذا العام، فهي ستتناول ناحية العلوم الطبيعية واتصالها بالتفكير والتقدم. وقد وقعت أول الأمر في نوع من الحيرة، بخصوص اختيار الطريق الذي أسلكه لأجتذب عددًا كبيرًا من أهل الشرق إلى تتبع هذه الكلمات، عسى أن يجدوا فيها شيئًا من الفائدة والتجديد، وللقيام بهذه المهمة طريقان. أما أن نتكلم عن الاتجاهات العلمية الحديثة التي سيكون لها أثر في أعمال الإنسان، وأعني بها الاتجاهات الطبيعية والفلسفية؛ وإما أن نتكلم عن النتائج الفعلية والعملية التي كانت نتيجة للاتجاهات العلمية الجديدة. ولا شك أنه حسب اختيار إحدى الطريقتين يتغير كلية نوع الأحاديث. ولقد انتهيت إلى ضرورة التحدث في الأمرين معًا،