وقدّم لنا فهمًا جديدًا للنص، وفسر أفكاره الغامضة، وهي من أهم محاسن هذا المنهج (( سواءً في فهم الصور الشعرية والتركيبية أو في وعي شخصيات أبطال الآثار المسرحية والقصصية. فالصورة الأدبية كانت، في ما سبق فرويد من مدارس النقد واتجاهاته، تعد ضربًا من ضروب الزينة الأسلوبية، وتحمل على ولوع الأدباء بترصيع الكلام بالأصباغ المجازية، لذلك فإن عناية الناقد إنما تتجه إليها في حدود انطباع بسيط لا يتجاوز الوقوف على ما فيها من جودة الانفراد، أو ابتذال الاحتذاء. أما مع فرويد وبعده، فقد حملت هذه الصور دلالات بلغت من العمق شأنًا بعيدًا عندما عُدّت رمزًا يفصح عن خبايا نفسية مضمرة تحيل على اللاوعي وعلى ما في الشخصية المبدعة أو القارئة من عقد ومركبات وحصارات يشترك فيها الجميع ويتمايز بها الأفراد في القوة والضعف والاشتداد ) ) ( [157] ) .
والمنهج النفسي عند بسلر هو الذي أخرجنا من مأزق التطرف في الحكم النقدي لصالح الجمالية أو لصالح الأخلاقية؛ لأن هذا المنهج لا يقف عند وظيفة التقويم، ولكنه يتخطاها إلى تفسير النص فاجتمع الجمالي والأخلاقي معًا في أصل واحد (( هو الأصل النفسي. فبالرجوع إلى هذا الأصل لن نرد كلامنا عن الأثر الفني إلى اعتبار جمالي أو أخلاقي، لأننا نريد لهذا الأثر تقويمًا، وإنما سنرد الأثر إلى مصدره، ونحاول أن نجد له تفسيرًا نفسيًا. فإذا وفقنا إلى هذا التفسير أخرجنا هذا من ورطة التقويم على أساس الاعتبارات الجمالية أو الأخلاقية ) ) ( [158] ) .
واستطاع المنهج النفسي أن يقدم لنا شيئًا عن سيكلوجية التذوق الفني حين جعل فرويد قيمة الفن عند المتلقي في أنه يقدم له رشوة من خلال تحقيقه لرغباته المكبوتة في عمل أدبي، يصبح معه المتلقي حالمًا بغد أفضل ( [159] ) .
لكن محاسن المنهج النفسي لا تكاد تذكر إذا ما قيست بعيوبه، وهي عيوب كثيرة يمكن إرجاعها إلى مستويين اثنين:
1 -عيوب تتعلق بالأساس العلمي للمنهج وتصوره للإنسان.
2 -عيوب تتعلق بالإجراء النقدي.
1 -عيوب الأساس العلمي للمنهج وهي قسمان:
أ - عيوب علمية تتعلق بالأساس العلمي للمنهج.
ب - عيوب فكرية تتعلق بتصور الإنسان.
أ - العيوب العلمية:
أما العيوب العلمية فكما سبق أن عرفنا، انطلق علم النفس في القرن التاسع عشر من تصور مادي للإنسان كما في التحليل النفسي، أو من تصور حيواني كما في السلوكية، ومبنى هذا التصور أو ذاك على مفاهيم الفيزياء والأحياء والفلسفة العقلية التي كانت تشكل عصب الفكر المادي في أوروبا آنذاك. وقد حصل لتلك المفاهيم التي وقفنا عليها تغير جذري في القرن العشرين، وهو تغير يفضي بنا إلى القول بأن تلك المفاهيم العلمية التي اتكأ عليها علم النفس في القرن التاسع عشر مفاهيم أثبت العلم الحديث فسادها، ومن ثم فساد كل تصور أو نظرية فلسفية تجعل منها سندًا لما تقول.
ففي الفيزياء لم تعد المادة واضحة متماسكة تشكّل حيّزًا من الفراغ، كما كان يُعتقد، لقد أصبحت عالمًا من الطلاسم والألغاز، وصارت (( شبكة من الشحنات الكهربائية، وسلسلة من الأحداث المحتملة ترتفع وتنخفض حتى تتلاشى في العدم ) ) ( [160] ) بل إنه لا يمكن مشاهدتها ( [161] ) . تلك الذرة الصغيرة أصبحت في فيزياء القرن العشرين (( كأنها نموذج مصغر لمنظومة شمسية ... في مركزها عدد من الشحنات الكهربائية الموجبة تعرف بالبروتونات، وهذه تؤلف النواة، ويدور حول النواة على مسافات مختلفة، وفي مدارات غير منتظمة عدد من الشحنات السالبة تسمى الالكترونات. والشحنة الموجبة في كل بروتون تساوي تمامًا الشحنة السالبة من كل اليكترون غير أن عدد البروتونات التي تتألف منها النواة أكبر كثيرًا في العادة من عدد الالكترونات. وإنما تحصل الموازنة بين الشحنات الموجبة للبروتونات، والشحنات السالبة للالكترونات
التي تدور حول النواة، بوجود شحنات سالبة، الكترونات أخرى موجودة في النواة )) ( [162] ) والذرة التي كانت صلبة في وضع مادي ثابت أصبحت بخلاف ذلك فقد (( أخذ الفيزيائيون المحدثون يطاردونها - كما يقول أدنجتون - من السائل المتصل إلى الذرة، ومن الذرة إلى الالكترون، حتى أضاعوها في النهاية ) ) ( [163] ) .
(يُتْبَعُ)