فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 7926 من 36878

وهذا غير مستغرب في لغة العرب، بل اللفظ الواحد قد يدل على المعنى وضده، كما في:"القرء": الطهر والحيض، و"عسعس": أقبل وأدبر.

وفي هذا الرابط، أيضا، ما يشير لنفس اللفظ:

"إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ":

إما أن يقال بأن"رحمة"المضاف اكتسب التذكير من لفظ المضاف إليه: الاسم الكريم"الله"، كما في قولك:

قطعت بعض أصابعه، بالبناء للمجهول، فأنث الفعل"قطعت"مع أن لفظ نائب الفاعل"بعض"مذكر، لأنه أضيف إلى"أصابعه"المؤنث، فاكتسب منه التأنيث.

وقول الشاعر:

وكل مصيبات الزمان وجدتها سوى فرقة الأحباب هينة الخطب

فأنث"وجدتها"و"هينة"مع أن لفظ"كل": مفرد مذكر، لأنه أضيف إلى مؤنث"مصيبات"فاكتسب منه التأنيث.

وهذا أمر غيرمستغرب في لغة العرب، فالمضاف يكتسب من المضاف إليه أشياء نص عليها النحاة كـ: التذكير والتأنيث، والتعريف إذا كان المضاف إليه معرفة على تفصيل ليس هذا موضعه.

أو يقال بأن صيغة"فعيل"مما يستوي فيه المذكر والمؤنث، فتقول: رجل جريح وامرأة جريح، ولا تقول: جريحة.

أو يقال بأن الرحمة قد ضمنت معنى الإحسان، والإحسان مذكر، فيكون المعنى: إن إحسان الله قريب من المحسنين، والتضمين هو: إشراب كلمة معنى كلمة أخرى، وهو باب واسع في لغة العرب، وخاصة في الأفعال.

وأقرب الأوجه الثاني، والله أعلم.

وكذا في:

"اللهُ الذِي أَنْزَلَ الكِتَابَ بِالحَقِّ وَالمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ"، لأن"قريب"، أيضا، على وزن"فعيل"الذي يستوي فيه المذكر والمؤنث، أو يقال كما قال الزمخشري غفر الله له:

{الساعة} في تأويل البعث، (فضمن لفظ"الساعة"معنى"البعث") ، فلذلك قيل: {قَرِيبٌ} أو: لعل مجيء الساعة قريب، (من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كما في قوله تعالى:(واسأل القرية) : أي: واسأل أهل القرية، وهو أسلوب عرفته العرب في كلامها، إذ يحذف المضاف، ويأخذ المضاف إليه كل أحكامه، وإليه أشار ابن مالك، رحمه الله، بقوله:

وما يلى المضاف يأتي خلفا عنه في الاعراب إذا ما حذفا).

فلا جديد عنده، وإنما هو ذكر لأكثر من مثال لنفس الإشكال من باب التهويل!!!!.

وأما قوله تعالى: (وَقَطَّعْنَاهُمْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا)

فعنه يقول إمام البلاغة الزمخشري، غفر الله له، في"كشافه":

فإن قلت: مميز ما عدا العشرة مفرد، فما وجه مجيئه مجموعًا؟ وهلاّ قيل: اثني عشر سبطًا؟ قلت: لو قيل ذلك لم يكن تحقيقًا لأنّ المراد: وقطعناهم اثنتي عشرة قبيلة، وكل قبيلة أسباط لا سبط، فوضع أسباطًا موضع قبيلة. ونظيره:

بينَ رِمَاحِيْ مَالِكٍ وَنَهْشَلِ ... اهـ

أي أن كل قبيلة تتكون من أسباط لا سبط واحد، فكأن اللفظ المرفوع"قبيلة": كل، قد وضع مكانه: أجزاء، هي: الأسباط، كما ترفع الثلاثة وتضع: 1+1+1، لأنها هي المقصودة، ولو قال:"سبطا"، لاقتصر على سبط واحد من كل قبيلة، مع أن كل قبيلة تتكون من عدة أسباط.

وكذا الحال في البيت:

بينَ رِمَاحِيْ مَالِكٍ وَنَهْشَلِ

ولم يقل: بين رماح مالك ونهشل، لأنه قصد كل الأفراد، أي: كل رماح مالك وكل رماح نهشل، فأتى بالمثنى ليدل على رماح كلا الجماعتين.

قوله تعالى: (هذانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ)

وعنه يقول الزمخشري غفر الله له:

الخصم: صفة وصف بها الفوج أو الفريق، فكأنه قيل: هذان فوجان أو فريقان مختصمان وقوله: {هذان} للفظ. و {اختصموا} للمعنى، كقوله: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ} [محمد: 16]

فهي كالآية السابقة، إذ ليس المقصود بـ"خصمان": اثنان، وإنما المقصود فوجان: فوج مؤمن وفوج كافر، وكل فوج يتكون من أفراد، فآل المعنى إلى جماعة كثيرة تنقسم لفوجين، ولذا أتى بـ:"اختصموا"على المعنى الذي يؤول إليه الكلام، كما في:

قوله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) ، ولم يقل: اقتتلا، لأن كل طائفة مكونة من مجموعة من المقاتلين، فراعى معنى الجماعة في"اقتتلوا".

ومثال الزمخشري: (وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ) ، فراعى في"يستمع"لفظ"من"المفرد، وراعى في"خرجوا"معناها، لأنهم كانوا جماعة لا واحدا.

وكذا قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ) .

فراعى في"ينظر"لفظ"من"المفرد، وراعى في"العمي"و"يبصرون"معناها، لأنهم جماعة لا واحد، فلم يقل: أفأنت تسمع الأعمى ولو كان لا يبصر.

وقوله تعالى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)

فراعى في"أسلم"و"وجهه"و"محسن"و"له"و"أجره"و"ربه": لفظ"من"المفرد، وراعى في"عليهم"و"يحزنون"معناها.

وهذا باب كبير في القرآن جدير بالتتبع.

والله أعلى وأعلم.

ولعل الله، عز وجل، أن ييسر في إتمام باقي الإشكالات.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت