وليس هذا محل حديثي؛ إذ كلامي في هذا المطلب مقتصرٌ على المتمذهمبِ الذي لم يتحققْ له الاجتهادُ المطلق، هل له أنْ يفتي بمذهبِ إمامِه؟
الأمر الثالث: نصَّ بعضُ العلماءِ المانعين مِن التمذهمبِ على منعِ المتمذهبِ مِن الإفتاءِ بمذهبِه، إنْ لم يكن عالمًا بحكمِ المسألةِ على وجهِ الخصوصِ بأدلتِها، ويَحْرُمُ على الناسِ سؤالُه، وطلبُ الفتيا منه.
وممَّنْ صرَّحَ بهذا: ابنُ حزمٍ (1) .
ولا يدخلُ في حديثي في هذا المطلب القائلونَ بهذا القولِ.
وقريبٌ منه قولُ مَنْ مَنَعَ إفتاءَ غيرِ المجتهدِ بمذهمبِ المجتهد إلا إذا كانت هناك حاجةٌ إلى إفتائِه، كما لو لم يُوجدْ مجتهدٌ في عصرِ مِن العصورِ.
وقد ذَهَبَ إلى هذا القول بعضُ العلماءِ (2) ، واختاره: الفخرُ بنُ تيميةَ (3) ، وابنُ القيَّمِ (4) .
(1) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (5/ 128) .
(2) انظر: مختصر منتهى السول لابن الحاجب (2/ 1261) ، والفائق في أصول الفقه (5/ 86) ، ونهاية الوصول للهندي (8/ 3884) ، وشرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 308) ، والإبهاج في شرح المنهاج (7/ 2944) ، والبحر المحيط (6/ 307) ، وشرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 398) بحاشية البناني، وتيسير التحرير (4/ 249) .
(3) انظر: التحبير (8/ 4072) ، والإنصاف (11/ 178) ، وشرح الكوكب المنير (4/ 558) .
والفخر بن تيمية هو: محمد بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن تيمية الباجدَّاي، فخر الدين أبو عبد الله الحرَّاني الحنبلي، ولد في حرَّان سنة 542 هـ كان عالم حرَّان، وشيخها وخطيبها، إمامًا في التفسير وفي الفقه وفي اللغة، وكان له القبول من أهل بلده، والوجاهة عند ملوكها، وكان حسن الأخلاق، متوددًا، صدوقًا متدينًا، وكانت بينه وبين موفق الدين بن قدامة مراسلات ومكاتبات، من مصنفاته: التفسير الكبير، وبلغة الساغب وبغية الراغب، وديوان الخطب الجمعية، والموضح في الفرائض، توفي بحرَّان سنة 622 هـ وقيل سنة 621 هـ. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان لابن خلكان (4/ 386) ، وسير أعلام النبلاء (22/ 288) ، والعبر في تاريخ من غبر للذهبي (5/ 92) ، والذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب (3/ 321) ، والمقصد الأرشد لابن مفلح (2/ 406) ، والمنهج الأحمد للعليمي (4/ 167) ، وطبقات المفسرين للداودي (2/ 144) ، وشذرات الذهب لابن العماد (7/ 179) .
(4) انظر: إعلام الموقعين (2/ 86) ، و (3/ 462) ، و (6/ 102) .