لقد ازدادَ تمسكُ العلماءِ بالمذاهب الفقهيةِ مع بدءِ القرنِ الثامنِ الهجري، فأضحى التمذهبُ بكافّة ألوانِه طاغيًا مِنْ حيثُ الجملةُ على الحياةِ العلميةِ في الفقهِ وأصولِه، بلْ مع كلِّ أسفٍ جَعَلَ كثيرٌ من المتمذهبين مِنْ تمذهبِهم سبيلًا إلى تقهقرِ الفقهِ، وجمودِ أصولِه؛ لتركِهم تطبيقَ القواعدِ الأصوليةِ على نصوصِ الكتابِ والسنةِ.
وأيضًا: فقد جَعَلَ المتمذهبون مذاهبَهم مهيمنةً عليهم، وازداد تبعًا لهذا الأمرِ الجمودُ على المذاهبِ (1) ، والتمسكُ بها (2) .
ويتحسر شمسُ الدينِ الذهبي (ت: 748 هـ) على الحالةِ العلميةِ المنتشرةِ في عصرِه، فيقول:"صارَ علماءُ العصرِ في الغالبِ عاكفين على التقليدِ في الفروعِ مِنْ غيرِ تحريرٍ لها ... واسْتَحْكَمَت الأهواءُ، ولاحتْ مبادئُ رفعِ العلمِ، وقبضِه مِن الناسِ ..." (3) .
(1) الجمود المذهبي: هو الوقوف عند حدِّ المنقولات عن الآخرين، وترديدها، دون استنادٍ في قول إلى دليل، بل مجرد محاكاة غيره. انظر: بحوث فقهية مقارنة للدكتور محمد الدريني (1/ 75) .
(2) انظر: العَلَم الشامخ لصالح المقبلي (ص/ 80) ، ومناهج الاجتهاد في الإسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ 98) ، والفتوى - نشأتها وتطورها للدكتور حسين الملاح (ص/ 329) ، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (1/ 118) ، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور ناصر الطريفي (ص/164) .
(3) تذكرة الحفاظ (2/ 530) .