فهرس الكتاب

الصفحة 680 من 1617

وقد انتشرَ تقيّدُ أربابِ المذاهب في هذه الحُقبِ الزمنيةِ بمذاهبِهم، فلا يحيدون عنها، وقد حكىَ شمسُ الدين الذهبي (ت: 748 هـ) أنَّ أكثرَ علماءِ زمانِه متقيدون بمذاهبِهم (1) .

وممَّا يُؤَكّدُ انتشار الصبغة المذهبية في هذه القرونِ أنَّ عددًا مِن المتمذهبين مَنَعُوا التلفيقَ بين المذاهبِ، وأَوْجَبَتْ طائفة منهم التمذهبَ بمذهبِ إمامِهم (2) .

وقد ازدادَ في هذه القرونِ التعصبُ للمذاهب الفقهيةِ بصورةٍ أشدّ مما كانت عليه مِنْ قبلُ (3) .

ويصف الحافظ ابنُ رجبٍ (ت: 795 هـ) حالَ أكثرِ الناسِ في زمنِه بأنَّهم لم يبلغوا الغايةَ في العلمِ، ولا ارتقوا إليها، وما زالوا في بدءِ أمرِهم، مع ادِّعاء كثيرٍ منهم الوصولَ إلى الغاياتِ، والانتهاءَ مِن النهاياتِ (4) .

وقد أوضحَ ابنُ خَلدون (ت: 808 هـ) أن حالَ محصِّلي الفقه في عصرِه أمسى في نقلِ المذاهبِ، والعملِ بمذهبِ إمامِهم (5) .

ويقولُ الشيخُ مصطفى الزرقا عن هذه القرونِ:"ففي هذا العصرِ سادَ الفكرُ التقليديُّ المغلقُ، وانصَرَفَت الأفكارُ عن تَلَمّسِ العللِ والمقاصدِ الشرعيةِ في فقهِ الأحكامِ إلى الحفظِ الجافِّ، والاكتفاءِ بتقبّلِ كلِّ ما في الكتبِ المذهبيةِ، دونَ مناقشةٍ" (6) .

(1) انظر: سير أعلام النبلاء (14/ 491) .

(2) انظر: مقدمة ابن خَلدون (3/ 1051) ، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/221) .

(3) انظر: إيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ 193 وما بعدها) ط/ دار الفتح، والبدر الطالع للشوكاني (ص / 650) ، وأدب الطلب له (ص/ 138) ، وإمام الكلام للكنوي (ص/ 36) ، والفوائد البهية له (ص/ 65 - 66) .

(4) انظر: الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة (ص/ 39) .

(5) انظر: مقدمة ابن خَلدون (3/ 1051) .

(6) المدخل الفقهي العام (1/ 211) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت