مِن الآثارِ الخطيرةِ التي ظَهَرَتْ بين صفوفِ بعضِ المتمذهبين
الاستدلالُ بالحديثِ النبوي على حكم مسألةٍ وافق الحديثُ فيها مذهبَ المستدلِّ، ومخالفةُ الحديثِ نفسِه في مسألةٍ أخرى دلَّ عليها؛ لمخالفتِه المذهب، ولا يكون ثمةَ ما يعارضُ دليلَ حكمِ المسألةِ.
قد يهتمُّ بعضُ المتمذهبين بالتدليلِ على أقوال مذهبِه - وهو أمرٌ حسنٌ وإيجابيٌ - لكنَّهم يَغْفَلون، فيستدلون بشطرِ الحديثِ؛ لموافقتِه للمذهبِ، ويتركون شطرَه؛ لمخالفتِه للمذهبِ.
وفي هذا التصرف تعصبٌ بيّنٌ (1) ، وتفريقٌ بين متماثلين - إذ كلتا المسألتين قد دلَّ عليهما نصٍّ واحدٌ - دونَ ما يسوّغه، وتطبيقٌ خاطئٌ لمدلولِ التمذهب، وكيف يكون الحديثُ حجةً في شطرٍ منه، وليس بحجةٍ في شطرٍ آخر؟ ! (2) .
وقد بيَّنَ ابنُ القيّمِ عوارَ فعلِ بعضِ المتمذهبين المتعصبين لمذاهبِهم، فقالَ مخاطبًا لهم:"إذا أخذتم بالحديثِ - مرسلًا كان أو مسندًا - لموافقتِه رأيَ صاحبِكم، ثمَّ وجدتم فيه حُكْمًا يخالفُ رأيَه: لم تأخذوا به في ذلك"
(1) انظر: بدعة التعصب المذهبي لمحمد عباسي (ص/ 224) ، وزوابع في وجه السنة لصلاح الدين مقبول (ص/ 377) .
(2) انظر: المصدر السابق، وسبيل الجنة بالتمسك بالقرآن والسنة لأحمد البنعلي (ص/ 93) .